تسجيل الدخول

فلسفةُ البحث: ضرورةٌ للطالب أمْ محضُ فلسفة ؟!

فلسفةُ البحث: ضرورةٌ للطالب أمْ محضُ فلسفة ؟! من  الإثنين, 12 أيار 2014 15:18

كنتُ قد ترددتُ كثيراً في كتابة في هذا المقال كون الحديث عن النظريات الفلسفية (philosophical theories) أمر معقد قد يكون محل الكثير من المناقشات من ناحية توافق أو تضاد هذه الفلسفات مع مفاهيمنا الدينية وهو الأمر الذي لا أقصده في مقالي هذا و ما أنوي الحديث عنه هنا هو التطبيقات العملية للأسس الفلسفية التي يقوم عليها البحث العلمي بشكل عام.

 على الجانب الآخر، كان مماشجعني على الكتابة في هذا الموضوع هو خوض تجربة جميلة لأحد الفصول الدراسية في النظريات الفلسفية للبحث الكيفي أو النوعي(philosophical foundations of qualitative research) ، تلك التجربة التي كان في خلاصتها الخروج بمهارة مهمة جداً و هي القدرة على مناقشة (وربما توافق أو اختلاف مع) أفكار هذه النظريات الفلسفية بطريقة منهجية علمية تسمح بطرح وجهات النظر المختلفة و نقدها ضمن الأعراف المتعارف عليها في الوسط الأكاديمي. و من الجدير بالذكر أن الاختلاف كمفهوم هو أمر منتشر بين النظريات الفلسفية و إلا لما وجدنا العديد من هذه النظريات ، فالقاريء لتاريخ فلسفة العلوم بشتى مجالاتها لايكاد يجد تعريفاً واحداً جامعاً لمعنى الفلسفة لذلك فكل تعريف ماهو إلا انعكاس لعدسة صاحبه ، تلك العدسة التي يرتديها فتعكس رؤيته الفلسفية الخاصة للإنسان و المجتمع و البحث و شتى مجالات الحياة. إن الاختلاف في تعريف الفلسفة بحد ذاته ماهو إلا خاصية من خصائص التفكيرالفلسفي بل إن السؤال عن معنى الفلسفة ربما يعد سؤالا فلسفياً قد يحتاج الواحد منا عشرات و ربما مئات الصفحات للإجابة عنه.

السؤال الذي كنت أسأله لنفسي دائماً هو: هل هناك ضرورة من دراسة النظريات الفلسفية التي قامت على أساسها الأبحاث العلمية؟ خاصة و أن مسمى درجة الدكتوراة مرتبط بالفلسفة (PhD/Doctor of Philosophy) أي القراءة و المناقشة و الفهم المتعمق لنظريات و فلسفات العلم الذي تتخصص فيه، لكن عملياً عند الكتابة و النشر العلمي قد تضطر للاستغناء عن هذه الجوانب الفلسفية مركزاً على الجانب العملي في البحث كونك محدد بعدد كلمات و أسلوب كتابة معين حسب ماتقتضيه شروط المجلة العلمية التي ترغب في النشر بها. حقيقة لم أكن مقتنعة بالقراءة في فلسفة البحث في باديء الأمر، خاصة و أن القراءة في الفلسفة و مدى فائدتها بالنسبة لطلاب الدراسات العليا أمر قد اندثر لفترة و هو الآن محط خلاف حتى في الدراسات الغربية رغم أن غالبيتها يتفق على أهميتها بالنسبة للطالب. كنت قد قررت خوض التجربة بدراسة مادة في فلسفة البحث لسببين أولهما أن الكثير من علماء المسلمين كانوا على دراية بالفلسفة و قاموا بترجتمها و شرحها من الثقافات المختلفة و إضافة الصبغة الإسلامية عليها، على سبيل المثال كنت قد تعرضت لبعض آراء ابن سينا و ابن رشد و الغزالي في علم النفس خلال فترة التدريس قبل ابتعاثي و لكنني وجدت اختلافا بين تجربتي الآن و تجربتي تلك في التدريس وهي أني لم أتعمق كثيراً في المعنى القائم خلف هذه الفلسفات و لم أهتم كثيرا إن كنت شخصيا أتفق أو أختلف مع هذه الفلسفات و هل من الممكن أن أتبنى فكر أحدهم يوماً ليقود عجلة السير في خطوتي القادمة الأمر الذي ربما يحتاجه طالب الدراسات العليا عندما يخوض تجربة الماجستير بشكل محدود و تجربة الدكتوراة بشكل أكثر شمولية.

كجزء من تجربة المادة التي خضتها و كمتطلب للمادة كنت مطالبة بكتابة بعض التأملات أو الملاحظات الذاتية reflections)) كمردود لانعكاسات النظريات عليّ كقارئة و باحثة الأمر الذي سمح لي بـ "التفكير في طريقة تفكيري" التي اكتشفت أنها قد تغيرت مع الوقت و اكتساب الخبرات (بعد الابتعاث) و لم تعد كما كانت في السابق (قبل الابتعاث) حتى أنني اكتشفت من خلال قراءتي لما كتبت في تلك الملاحظات أن طريقة تفكيري أو مايمكن أن أطلق عليه نظرتي الفلسفية الخاصة ، ربما كانت سبباً كامناَ حتى خلف اختياري لدولة الابتعاث. فاختياري لدولة "كندا" تحديدا كدولة متعددة الثقافات و بنظامها الأكاديمي و الثقافي المتنوع والمنظم كان جزءاً من فهمي للعالم وفق نظرية المعرفة أو إبستيمولوجيا (epistemology) معيّنة تقتضي بتعدد التفسيرات للحدث الواحد و لكن ضمن حدود خبرات شخصية أو ثقافية محددة.

philosophy

ليس اختيار دولة الابتعاث فقط ، فإن معرفة النظريات الفلسفية المختلفة قد ساعدني في التمييز بين الطرق المختلفة و الأدوات البحثية التي قمت بإجراء أبحاثي من خلالها في السنوات الماضية في مرحلتي الماجستير و البكالريوس و كذلك انتماءاتها الفلسفية. أيضاً أشعر أن القراءة في نظريات البحث الفلسفية كانت قد أنضجت تفكيري كباحثة وقادتني إلى مراحل تطور الطرق الفلسفية المتعددة و أوجه التشابه و الاختلاف فيما بينها في مجال تخصصي ، على سبيل المثال الموضوعية مقابل الذاتية (objectivism vs. subjectivism) ، وكيف يرتبط كل ذلك بمشاريعي البحثية الحالية التي أقوم بها و لماذا أريد أن أقوم بذلك و كيف سأكون بنظرتي الفلسفية هذه مختلفة عن المنهجيات البحثية و الفلسفية لمن سبقوني في موضوع بحثي؟ و ماهي أفضل المنهجيات و الطرق البحثية (methodology & methods) التي ستتوافق مع نظرتي الفلسفية و في نفس الوقت ستساعدني في الإجابة عن أسئلتي البحثية بطريقة علمية؟ هي كلها عوامل مؤثرة في بعضها البعض بدءا بالفلسفة و انتهاء بسؤال البحث و عودة من سؤال البحث إلى وجهة النظر الفلسفية.

و لتوضيح المعنى بمثال عملي كيف أن الفلسفات المختلفة قد تفسر الحقيقة الواحدة بعدة تفسيرات حسب العدسات التي يرتديها الباحث ( أعني النظرية الفلسفية التي يتبناها) ، تخيل معي عزيزي القاريء أن هناك خمسة باحثين يجلسون في غرفة واحدة وينظرون لنفس الصورة (صورة شجرة على سبيل المثال) و كل شخص من هؤلاء الخمسة يرتدي نظارة مختلفة الشكل و اللون و الأبعاد تسمح له برؤية الصورة نفسها و لكن قد ينتج عنها عدة صور تتفق مع افتراضات و معتقدات كل باحث ، كنتيجة لذلك كل شخص سيحاول دراسة الظاهرة التي في الصورة بطريقة بحثية تعمل كانعكاس لما تسمح له به عدسته أن يراه. دون هذا الفهم الفلسفي و تطبيقه بشكل عملي في اختيار منهجيات و طرق بحثية متناسبة مع هذه الفلسفة قد يتعرض الباحث للكثير من المتناقضات خلال إجراء البحث و التي قد تؤثر بشكل أو بآخر على مرحلة تفسير و تحليل النتائج.

و للإجابة عن سؤال المقال: هل فلسفة البحث ضرورة أم محض فلسفة ؟ فإجابتي هي أن نظرتي الفلسفية كانت قد دعتني لكتابة هذا المقال لمشاركة تجربتي مع الفلسفة و أثرها على الباحث ، فياترى أنت كقاريء هل تتفق أو تختلف معي ؟ و عن ماذا يمكن أن تعبر نظرتك الفلسفية ؟ّ!

قييم هذا الموضوع
(3 أصوات)
إرادة حمد

معيدة بجامعة الملك عبدالعزيز ، مرشحة لنيل درجة الدكتوراة في تخصص القياس و طرق البحث في علوم الصحة و إعادة التأهيل - مقاييس و أبحاث الشيخوخة - بجامعة وسترن أنتاريو ، كندا 

باحثة بحُلُم جيل يرتقي بأُمّة .. علّمتني الغربة أن أصنع من مُرّ التجارب مذاقاً حلواً .. قدوتي صناعةُ حضارة بالعلم و البحث ستعود يوماً ! 

  • البلد:
    Canada

2 تعليقات

  • رابط التعليق عبدالرحمن البلادي الأربعاء, 14 أيار 2014 00:15 كتبها عبدالرحمن البلادي

    رائع جدا ما كتبت،

    نعم اتفق مع جل ما كتبت، وأرى أن الفلسفة جزء مهم يجب دراسته واتقانه لطلاب الدراسات العليا للتخصصات الإنسانية على وجه الخصوص، وغيرهم كذلك. فالباحث لا بد أن ينطلق من مبادئ فلسفية متفق عليها، وهو غالباً عندما يكتب يضمنها في كتابته دون أن يدرك.

    والموضوع شيق جداً ، واشكر لك مشاركتك خبراتك.
    تحياتي
    عبدالرحمن البلادي

    تقرير
  • رابط التعليق أ. إبراهيم الشكري الجمعة, 13 حزيران/يونيو 2014 17:06 كتبها أ. إبراهيم الشكري

    نتفق في ذلك، ولا يجب أن تقتصر دراسة فلسفتها لطلاب الدراسات العليا فقط، بل ينبغى دمجها كمقرر لطلاب التعليم ما قبل الجامعي؛ لما لها من أهداف سلوكيه تعود بنفع على نمط تفكير أبناءنا وتزودهم بالادوات التي تساعدهم في التحرى على الحقائق من مصادرها وتخرجهم من غبة الجهل.
    أشكرك على موضوعك الشيق..
    أ. إبراهيم الشكري

    تقرير

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2020