تسجيل الدخول
التحدث بلغة ثانية قد يغير نظرتك للعالم من  الجمعة, 24 شباط/فبراير 2017 12:18

     "إلى أين ذهب اللص؟" إن أردت الحصول على إجابة أدق، يُفضّل أن تُلقي السؤال باللغة الألمانية. "كيف تمكّن من الهرب؟" بالنسبة لهذا السؤال، فالإنجليزية خيار أنسب.استنادًا إلى دراسة حديثة، يختلف متحدثو اللغة الإنجليزية عن متحدثي الألمانية في مقدار اهتمامهم بكلٍ من الأحداث ونتائجها، وذلك يشكل نظرتهم للعالم.

توصلت الدراسة أيضًا إلى أن أولئك الذين يتقنون الحديث باللغتين يملكون الأفضلية من هذه الناحية، فتفكيرهم أكثر مرونة.

     منذ أربعينات القرن الماضي وحتى الآن يستمر نقاش علماء الإدراك فيما إذا كانت اللغة الأم تشكّل طريقة تفكير الإنسان. في الأعوام الماضية، ظهرت الفكرة مجدّدًا عندما تزايد عدد الدراسات التي تدعي أن لغة الإنسان توجهه إلى التركيز على تفاصيل معينة في العالم من حوله. على سبيل المثال، تقول الدراسات أن متحدثي الروسية أسرع من متحدثي الإنجليزية في التمييز بين درجات اللون الأزرق، ومتحدثي اليابانية عادة ما يصنفون الأشياء اعتمادًا على مادّة الصنع وليس على شكلها، بينما يركز الكوريّون على مدى تلاؤم الأشياء مع بعضها. مع ذلك، المشكّكون في وجود العلاقة يصرون على أن طرق أداء التجارب هي المتسبب في الحصول على هذه النتائج بغير قصد، أو أن الفروقات المقاسة تعكس الاختلافات الثقافية بين الشعوب، بغض النظر عن اللغات.

     في الدراسة الحديثة، اتجه الباحثون إلى دراسة الأشخاص الذين يتقنون عدة لغات. عندما ندرس ثنائيي اللغة، "نقلب المناظرة الأزلية رأسًا على عقب" كما يقول عالم النفس اللغوي بانوس اثاناسوبولوس من جامعة لانكستر في المملكة المتحدة. بدلاً من التساؤل عمّ إذا كان المتحدثون بلغات مختلفة يفكرون بطرق مختلفة، "نتساءل عن إمكانية أن يفكر الشخص الواحد بطرق مختلفة؟"

     اهتمّ (اثاناسوبولوس) وزملاؤه بفارق معيّن بين متحدثي اللغة الإنجليزية ومتحدثي الألمانية. في الإنجليزية قواعد لغوية لتحديد وقت وقوع حدث ما، مثلاً : "I was sailing to Bermuda and I saw Elvis - كنت أبحر إلى برمودا عندما رأيت إلفيس" وهذه الجملة مختلفة عن: " I sailed to Bermuda and I saw Elvis- أبحرت إلى برمودا ورأيت إلفيس". ليس في اللغة الألمانية قواعد مشابهة. نتيجة لذلك، يميل متحدثو الألمانية إلى تحديد بداية ووسط ونهاية كل حدث، بينما يهمل متحدثو الإنجليزية النهاية ويركزون على الحدث نفسه. على سبيل المثال: عند رؤيتهم لنفس الموقف سيعلق متحدث الألمانية: "رجل يغادر المنزل ويمشي إلى المتجر" بينما سيقول متحدث الإنجليزية باختصار "رجل يمشي".
     وفقًا للدراسة، يبدو أن هذا الفرق بين اللغتين يؤثر على نظرة متحدثيهما للأحداث. اختار ( اثاناسوبولوس) وزملاؤه خمسة عشر شخصًا من المتحدثين الأصليين لكل من اللغتين، وطلبوا منهم مشاهدة مجموعة من مقاطع الفيديو القصيرة، والتي يظهر فيها أشخاص يسيرون، أو يركبون الدراجات، أو يركضون، أو يقودون السيارات. طلب الباحثون من كل مشارك في التجربة أن يشاهد ثلاثة مقاطع. المقطع الأول: يعرض حدثًا مبهم الهدف (مثلاً: امرأة تسير في الشارع متجهة نحو سيارة متوقفة)، وعلى المشاهد أن يقرر إن كان ذلك الحدث أشبه بحدث محدد الهدف (مثلًا: امرأة تمشي وتدخل مبنى) أو بحدث آخر بلا هدف (مثلاً: امرأة تتمشّى في طريق ريفي). ربط متحدثو الألمانية الأحداث المبهمة بالأحداث المحددة حوالي 40% من المرات في المتوسط، مقابل 25% فقط من متحدثي الإنجليزية. هذا الفرق يقتضي أن المتوقع من متحدثي الألمانية أن يفكروا بالاحتمالات المختلفة لنتائج الفعل، بينما يركز متحدثو الإنجليزية على الفعل نفسه.
     على صعيدٍ آخر، يبدو أن ثنائيّي اللغة يغيرون بين طريقتي التفكير المختلفتين تبعًا للغة الأكثر نشاطًا في عقولهم أثناء الاختبار. أخضع الباحثون خمسة عشر ألمانيًا ممن يجيدون الإنجليزية للاختبار نفسه في ألمانيا، فوجدوا أن المشاركين قد أظهروا نتائج مشابهة تمامًا في تركيزهم على الهدف كأي متحدث أصلي للألمانية. مجموعة أخرى مشابهة من الألمان المتقنين للإنجليزية أجروا الاختبار بالإنجليزية في المملكة المتحدة وكانت نتائجهم مقاربة لمتحدثي الإنجليزية الأصليين بتركيزهم على الفعل. قد يكون هذا التغير ناشئًا عن اختلاف الثقافات، لكن تجربة ثانية أظهرت أن ثنائيي اللغة يمكنهم تغيير منظورهم بسرعة تغييرهم للغتهم.

     أجرى الباحثون التجربة ذاتها على ثلاثين آخرين من ثنائيي اللغة المتحدثين بالألمانية والإنجليزية، وطلبوا من المشاركين – أثناء التجربة – تكرار بعض الأعداد بصوت عالٍ بإحدى اللغتين. يبدو أن انشغال أحد اللغتين بالعدّ يلغي تأثيرها ويقدم اللغة الأخرى تلقائيًا. عندما كان المشاركون يعدّون بالإنجليزية، أجابوا كالألمان المعتادين وركزوا على الأهداف. وبالعكس، بمنع الألمانية تصرف المشاركون كالإنجليز وربطوا المشاهد المبهمة بالمشاهد التي لا تهدف لشيء. عندما فاجأ الباحثون المشاركين بطلبهم لتغيير لغة العد في وسط التجربة، تغير تركيز المشاركين على الفور بين الأفعال والأهداف.
      يختم الباحثون دراستهم باقتراحهم المنشور على الشبكة في المجلة العلمية Psychological Science [عدد مارس 2015]، أن التحدث بلغة ثانية يمكن أن يلعب دورًا هامًا – دون إدراك الشخص – في تشكيل نظرتنا إلى العالم. يقول (اثاناسوبولوس): "بتعلم لغة ثانية، تمتلك نظرة بديلة للعالم... يمكنك سماع الموسيقى من سماعة واحدة فقط ويمكنك الحصول على صوت مجسم وأكثر تأثيرًا بتشغيل سماعتين. ينطبق الأمر ذاته على اللغة".
     عالم الإدراك (فيليب وولف) من جامعة إموري في أطلنطا يصف هذا الاكتشاف بالتطور الهام، وهو بالمناسبة لم يشارك في الدراسة. يقول فيليب: " إن كنت تتحدث لغتين فإن بإمكانك أن تمتلك منظورين مختلفين، وتبدل بينهما حسب الحاجة... لم يثبت أحد ذلك قبل الآن".

      لكن من المتوقع أن الباحثين المشككين في تأثير اللغات على التفكير سيتشبثون برأيهم. بيئة الاختبار المصطنعة قد تجعل الأفراد يعتمدون على اللغة أكثر من المعتاد، كما تقول (باربرا) أخصائية علم النفس المعرفي من جامعة ليهاي في بيثلهيم، بنسليفينيا. تقول باربرا: "في مواقف واقعية، سأجد أسبابًا للتركيز على الحدث بذاته وأسباب أخرى للتركيز على النتيجة... من غير الضروري أن أتقن لغتين لأفعل ذلك... هذا لا يعني أن اللغة هي العدسة التي أرى العالم من خلالها".

المصدر:
http://www.sciencemag.org/news/2015/03/speaking-second-language-may-change-how-you-see- world

كاتب المقال: نيكولاس ويلر
تاريخ النشر الأصلي: مارس 2015
ترجمته لصالح الأكاديميون السعوديون: شذى العوضي
راجعته لصالح الأكاديميون السعوديون: أثير الزهراني

دققته لصالح الأكاديميون السعوديون: نوف الزيدان

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)
الأكاديميون السعوديون

الأكاديميون السعوديون جمعية أكاديمية لها اهتمامات أكاديمية علمية وبحثية وتنموية بشرية، وتسعى لتقديم نموذج مشرق من خلال مشروع هادف يتميز بتنوع خبرات وقدرات أعضائه، وحثهم على الإبداع والتواصل في مجالاتهم التخصصية.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2020