تسجيل الدخول
ثقافة مجانيّة ! من  الأحد, 09 آذار/مارس 2014 21:39

كمتصفح لبرنامج التواصل الإجتماعي تويتر قد يشدّك انشغال الناس هناك بالحديث هذه الأيام عن معرض الرياض الدولي للكتاب، الذي يعد من أكبر المناسبات الثقافية التي تنظمها وزارة الثقافة والإعلام. يزور المعرض كل عام آلاف وربما ملايين الزوار المهتمين بشراء الإصدارات الجديدة من الكتب و كذلك المشاركة في الندوات التي يقدمها كبار المثقفين من داخل و خارج المملكة و الفعاليات الأخرى المصاحبة للمعرض. و أثناء التجول بين حسابات المغردين قد يبهرك منظر قوائم الكتب التي يخططون لقراءتها و شرائها ضمن الأيام القليلة التي يقام بها معرض الكتاب (حوالي عشرة أيام). ومن خلال تنقلاتي بين حصاد القراء من كتب المعرض تبادر إلى ذهني عدة أسئلة منها ماهو مصير تلك الكتب التي ستنتهي حياتها بمجرد انتهاء أصحابها من قراءتها؟ ثم بعد انتهاء المعرض ماهي الأنشطة الأخرى الدائمة المتعلقة بالقراءة التي يمكن أن تستثمر فيها طاقات الشباب والفئات الأخرى من المجتمع كالأطفال و كبار السن من المتقاعدين مثلاً؟ أين هو دور مكتباتنا العامة من ذلك؟

في دولة مثل كندا تلعب المكتبات العامة دوراً هاماً في توفير الكتب و المواد التثقيفية الأخرى و تقديم الأنشطة المتنوعة المرتبطة بالقراءة لجميع فئات المجتمع على مدار العام و بدون "أجر" يذكر ! كنت قد أدركت القيمة الحقيقية للمكتبة العامة أثناء فترة دراستي للغة حيث كنت أذهب من وقت لآخر لجلسات المحادثة للمتحدثين الجدد للغة الإنجليزية و هي خدمة تقدمها المكتبة بشكل فردي أو جماعي، هذا فضلاً عن ذهابي لاستعارة و قراءة الكتب داخل المكتبة كوني لم ألتحق بالجامعة بعد في ذلك الوقت. حينما كنت أذهب للمكتبة لم أكن أحمل هم بُعد المسافة ولا كيفية الوصول للمكتبة، ففي مدينة ريفية صغيرة كالتي أقطن بها فقط تبلغ فروع المكتبات العامة حوالي 16 فرعاً موزعة على أحياء المدينة، تشكل هذه المكتبات رافداً ثقافياً هاماً لسكان المدينة وهي تخدم بالأخص فئة البالغين من كبار السن الذين يشكلون أغلب سكان المدينة وفئة الأطفال الصغار من هم دون سن المدرسة مع أمهاتهم ، حيث أن فئة الشباب من طلاب الجامعة تقضي وقتها بين أروقة و مكتبات الجامعة (حوالي ثمان مكتبات ملحقة بالمباني الجامعية و مستقلة عن تلك العامة). هذا العدد يعد ضئيلاً جداً نسبة لعدد فروع المكتبات العامة في كامل المقاطعة التي تبلغ حوالي 946 فرعاً من بين 2996 فرعاً للمكتبات العامة في كندا بأكملها حسب إحصائية عام 2012 م.

دور المكتبات العامة في كندا لايقتصرعلى استعارة الكتب (القديمة و الحديثة) المقروءة و المسموعة فقط ، والتي بدأت منذ فترة ليست ببعيدة توفر كتباً بلغات مختلفة أيضاً كاللغة العربية نظراً لازدياد أعداد الجالية العربية، بل تستطيع استعارة أفلام و أقراص مدمجة ، و المشاركة في ورش عمل و محاضرات و مشاهدة أفلام سينمائية أو تعليمية تنظمها معظم فروع هذه المكتبات (إن لم يكن كلها) كنشاطات عائلية تثقيفية على مدار الأسبوع. هذا و تتوزع الأنشطة التي تحتضنها المكتبات العامة على فصول السنة ففي فصل الصيف تقدم برامج مسابقات ونوادي القراءة للأطفال، وفي فصل الخريف هناك برامج أصدقاء المكتبة لبيع الكتب المستخدمة بأسعار زهيد جداً، وكذلك برنامج كتاب لكل طفل، و هناك برامج دعم اللغة الإنجليزية و تثقيف القادمين الجدد إلى كندا على مدار العام و غير ذلك الكثير، و في كل ذلك لاعليك سوى أن تحضر بطاقة اشتراكك في مكتبة الحي التي توفر لك كل ذلك مقابل لاشيء ! ثقافة مجانية ! و لن يستغرق حصولك على بطاقتك سوى بضع ثوانِ !

و إن كنت من المولعين بشراء الكتب بمجرد صدورها فلن تقلق على مصير كتبك الجيّدة بعد انتهائك من قراءتها برميها في صناديق تدوير الورق، أو تكدسها في مكتبك أو مخزنك، لأنك تستطيع التبرع بها للمكتبة لطالما كانت في حالة جيدة و ذلك ضمن شروط معينة موجودة على الموقع الإلكتروني لمكتبات المدينة و الذي يشرح جميع خدمات المكتبة بما فيها خدمات البحث عن الكتب مشروحة بلغات متعددة !

تدعم المكتبات العامة كذلك الطلاب في سن المدرسة فحتى الأطفال الذين لديهم صعوبات في القراءة توجد لهم برامج دعم متخصصة، و هناك برامج أخرى كالدروس الخصوصية للطلاب العاديين تقدمها المكتبة لدعم المناهج المدرسية. كونك أب أم أم كذلك يجعل لك ميزة إضافية من منطلق التشجيع على القراءة أنت و عائلتك ، فعندما تتأخر عن الوقت المحدد لإرجاع الكتاب أو المادة المستعارة فغرامتك قد تعود لصالحك فبمجرد اصطحابك لطفلك للقراءة في المكتبة قد يخصم لك عن كل ساعة قراءة لطفلك مايقارب دولارين أو أكثر من قيمة غرامة التأخير المسجّلة عليك.

يقول جان بول سارتر:" إن الكتاب وهو ملقى على الرف أشبه بالجسم الميت تدب فيه الحياة إذا ما امتدت إليـه يـد القاريء" ، دون وجود مكتبات عامة لدينا (و إن وجد القليل منها فلم يحقق الدور المطلوب) مصير كتبنا هو الأرفف و المخازن حتى لتبدو كأنها جثثاً هامدة ننفض الغبارعن عقول أصحابها في كل مرة. حاجتنا الآن لوجود مكتبات عامة محلية تقدم خدمات تثقيفية فعالة تناسب مختلف فئات المجتمع تزداد يوماً بعد يوم ، و كم أتمنى أن يقوم خريجي اللغات و المكتبات تحديداً بالبدء بمشروعات صغيرة (مثل مشروع تدوير الكتاب المصاحب لمعرض الكتاب بالرياض) قد تبدأ بتبرعات سكان الأحياء بالكتب الموجودة لديهم و قد تكون نواة لتواجد مكتبات عامة على مستوى جميع مدن و مناطق المملكة تقوم بدورها الحقيقي كنواة معرفية في المجتمع، ففي الكتاب حياة يجب أن لايتوقف نبضها عند عقل أو رفّ أحدهم بل يجب أن تحيا في كل مرة في عقل أحدهم من جديد.

موسومة تحت
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)
إرادة حمد

معيدة بجامعة الملك عبدالعزيز ، مرشحة لنيل درجة الدكتوراة في تخصص القياس و طرق البحث في علوم الصحة و إعادة التأهيل - مقاييس و أبحاث الشيخوخة - بجامعة وسترن أنتاريو ، كندا 

باحثة بحُلُم جيل يرتقي بأُمّة .. علّمتني الغربة أن أصنع من مُرّ التجارب مذاقاً حلواً .. قدوتي صناعةُ حضارة بالعلم و البحث ستعود يوماً ! 

  • البلد:
    Canada

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2020