تسجيل الدخول
ماوراء الابتعاث من  الجمعة, 06 أيلول/سبتمبر 2013 16:51

الابتعاث فرصة من فرص الحياة، وتجربة من تجارب المتعلمين، يجد فيها المبتعث جواً علمياً ومجتمعياً وثقافياً مغايراً للمألوف، ينهل من معينٍ مختلف، ويتحدَّى صعوبات اللغة، والغربة، والتكيف مع محيط جديد لا ينتمي إلى محيطه السابق دينياً ومجتمعياً، وثقافياً، وهنا تأتي سانحة التحدي، التحدي مع النفس في خوض هذه التجربة، وتجاوز عقبات التعلم، والإصرار والعزيمة على الحصول على الجديد في التخصص، والتحدي مع تبديد الغربة المكانية، والاغتراب الروحي، واستشعار قول الشاعر:

تلقى بكل بلاد إن نَزَلتَ بها***أرضاً بأرضٍ وجيراناً بجيران

والتحدي في وضع بصمة إيجابية في المجتمع الجديد، ورسم صورة راقية عن دينك ووطنك ومجتمعك
وكن رجلاً إن أتوا بعده***يقولون مرَّ وهذا الأثر

وجملة التحديات التي يخوضها المبتعثون كثيرة- وقد تجرعت كأساً منها حين أقمت في مدينة مانشستر البريطانية عشرة أشهر، كَفَلَت لي معرفة فصول من معاناة المبتعثين، وفتحت نافذة من كفاحهم وصبرهم – أقول : إن جملة هذه التحديات صنعت رجالاً زادهم الصبر، والتفاني، رجالاً قايسوا حضارتهم الإسلامية بغيرها، فأخذوا الجميل، ونبذوا القبيح، أخذوا من حياة الغرب التنظيم، والانضباط، واحترام المواعيد،و تحصيل النجاح بالجد والاجتهاد، ونبذوا حياة البهائم المتمثلة في الحب الزائف، وشرب المسكرات، وفراغ الروح من زاد الإيمان، ووقود الحياة.

ولا ريب أن تحديد هدف المبتعث، وسعيه الحثيث نحو تلك العلامة التي يراها في يقظته، ومنامه ستسهم في تفوقه العلمي، ونجاحه المجتمعي، فإذا ما سيطر الغَبَش على الهدف وجدت المبتعث يتهاوى يمنة ويسرة، وفتح عينيه على أمور ربما جرفته إلى طريق غير مأمون الخطر، إلى طريق العبث، والضياع، يقول الشيخ علي الطنطاوي –يرحمه الله- "كما أُقرُّ أن سفري إلى مصر على رغم أنها بلد الأزهر، ومثابة العلماء، وإن إقامتي فيها كانت قصيرة، وكانت في وسط إسلامي أنها كانت على هذا كله كادت تفتنني، وتبدِّل سلوكي" إذا كان هذا قول الشيخ الطنطاوي على جده، وفي سفره إلى بلدٍ إسلامي، فماذا عن غيره ممن هم أقل جداً منه في بلاد الغرب؟؟!!! إنها معادلة تحتاج إلى يقظة في الضمير، واستيعاب للهدف يتجدّد في كل مرحلة من مراحل الابتعاث.

إنَّ الغريب في مشاهداته الجديدة، وتردُّد مشاعره بين الانبهار، والاستياء، ومدافعة نفسه وهواه، يضع في ذهنه أنَّ الله أنعم عليه بنعمة عظيمة هي نعمة الإيمان التي تُبَدِّدُ سُحب الكآبة، وتَعْصِفُ بأهواء الشيطان، وتثبت عزيمته، وتسحثُّ همته، يقول التوحيدي في رسالته الجميلة عن الغربة : "ما أسعد من كان في صدره وديعة الله بالإيمان، فحَفِظَها حتى لايسلبها منه أحد ...فما أسعدك أيها العبد بهذه العناية القديمة من ربك الكريم، الذي نَظَر لك قبل أن تنظر لنفسك، وأيَّدك بما لم تهتد إليه همَّتك...وسوَّى معوَجَك، وفتح عينك، وعرَّفَكَ نفسك، ودعاك باسمك، وشَهَرَك بحكمته فيك..." إلى آخر ما ذكره في تلك الرسالة التي أدعوا إخواني المبتعثين لقراءتها، وتأملها ففيها نفع كبير.

وإذا ماطَوَى المبتعث الناجح صفحة الابتعاث، وحَزَمَ حقائب العودة، ووطئت قدماه أرض الوطن وجد لذة لا تعادلها لذة، وما أجمل النجاح بعد التعب، وما ألذ الماء البارد بعد العطش، وما أحسن اللقاء بعد طول الفراق، وهكذا الصعب تشعر بلذته بعد تجاوزه، ولابد دون الشَّهد من إبر النّحل أقول: إن المبتعث بعد هذا النجاح سيدور في ذهنه ما الذي سأقدمه لديني، ووطني، ومجتمعي بعد تجربة الابتعاث، ما ذا سأضيف للمجتمع الأول، مستصحباً مقولة الرافعي –يرحمه الله-الشهيرة الذي لا يضيف إلى الحياة شيئاً جديدا سيكون عبئا عليها .

وهنا أهمس في آذان المبتعثين، لا تكون كمن ضيع اللبن في الصيف، وانتَهِز الفرصة، فالفرص تمرُّ مرَّ السحاب كما يقول علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- والشاعر يقول:
بادر الفرصة واحذر فَوْتَهَا***فبلوغ العزِّ في نيل الفرص

احرص على التعلم بقوة، وانهل من علوم تخصصك، واحرص أن تدون التجارب الناجحة، وفتش عن الجديد في دولة ابتعاثك، ومكامن القوة والتميز فيها، واستثمر لحظاتك القصيرة، واستشعر دوماً أن الحكمة ضالة المؤمن، وأن مجتمعك في حاجة إلى نقل تجارب النجاح، وتطوير التعليم، وابتكار طرائق جديدة للنهوض والارتقاء، ولا سبيل للتجديد إلا عبر المرور بالتراث الرصين، ومزج التجارب. إنَّ أخذ النافع من كل حضارة في حدود الدين والأعراف مطلب لحركة النهوض، وتبديد الجمود، وهاهو المصطفى –صلى لله عليه وسلم –تلقَّف فكرة الخندق من الفرس، فأقرها ، بل باركها، فكانت نافعة ناجعة.

وأخيراً: فدعواتي لإخواني وأخواتي المبتعثين والمبتعثات بالنجاح والتوفيق، وأسأل المولى الكريم أن ينهضوا بواجبهم، وأن يكون النجاح حليفهم، وأن يكونوا أدوات بناء، وقامات إصلاح، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

موسومة تحت
قييم هذا الموضوع
(3 أصوات)
أ.د عبدالكريم العبدالكريم

أكاديمي سعودي، أستاذ (بروفيسور) في قسم الأدب والنقد في كلية اللغة العربية –جامعة الإمام، له بعض المؤلفات والأبحاث في مجال تخصصه، وأسهم في كتابة بعض المقالات في بعض المجلات والصحف، عمل وكيلا لعمادة البحث العلمي في جامعة الإمام، ومستشارا متفرغا في وزارة التعليم العالي، عضو في عدد من اللجان داخل الجامعة وخارجها.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2020