تسجيل الدخول
مبتعثٌ أم مترجم؟! من  الثلاثاء, 16 تموز/يوليو 2013 05:44

في عودةٍ بالزمن إلى الوراء و تحديداً العودة إلى العصر الذهبي للحضارة الإسلامية ، نجد أن لحركة "الترجمةِ و التدوين" التي شهدها العصر الأموي و العباسي للدولة الإسلامية دوراً كبيراً في صنع حضارتنا الإسلامية والتي ازدهرت فيها العلوم في ذلك الوقت حتى استقى منها ليس العلماء العرب و المسلمون فحسب بل أيضاً العلماء الآخرين في شتى بقاع الأرض حيث قامت حركة ترجمة و تعريب العلوم بشتى أنواعها كالطب و الفلسفة و الفلك و الكيمياء و غير ذلك من عدة لغات كالإغريقية و اليونانية إلى العربية. و قد كانت اللغة العربية آنذاك هي اللغة الرسمية للدولة الإسلامية من مشرقها إلى مغربها، بل إنه وصل الحد في ذلك الحين إلى أنه أصبح لزاماً على من يريد التعرف على هذه العلوم تعلُّم اللغة العربية.

اليوم نحن نحيا من جديد عصر ازدهار العلوم و التطورالسريع للتقنيات العلمية الحديثة و لكن بشكل معاكس فأصبحنا نحنُ المسلمون من نستقي من الغرب علومهم و نحنُ من نُلزَم بتَعلُّم لغتهم حتى نفهم آخر ماتوصلت إليه دراساتهم وأبحاثهم ، و لكن بـ "برنامج الإبتعاث" قد نشهدُ حالاً مشابهةً لتلك العصور الذهبية للحضارةِ الإسلامية و قد يحدونا الأمل من جديد إلى رؤيةِ جيلٍ متميزٍ من العلماء و الباحثين وصنّاع الحضارة المسلمين من خريجي الإبتعاث، ويبقى السؤال الأهم : كيف سيكونُ لنا ذلك الإنجاز و المساهمة في استعادة تلك الحضارة ؟ إجابةُ هذا السؤال تكمُن في الإجابة على سؤال آخر أهم وهو : ما مصير الدراسات و الأبحاث التي عَمِل ولازال يعملُ عليها جيلُ المبتعثين في الدول الغربية منذ بدءِ برنامج الإبتعاث و حتى وقتنا هذا الذي بلغ فيه عدد الطلبة الدّارسين في الخارج إلى مئات الآلاف؟

قامت وزارة التعليم العالي مؤخراً بتبني فكرةٍ جميلة و هي إيجادُ مكتبةٍ إلكترونيةٍ مرتبطة بوزارة التعليم العالي مباشرةً تضم رسائل المبتعثين بهدف تمكينهم من الإستفادة من أي رسالة علمية لأي مبتعث في دولة أخرى أثناء وجودهم في بلدان الدراسة. المشكلة قد تبدو في أن الجمهورالمستهدف لقراءة هذه الأبحاث هم إما من فئة المبتعثين الحاليين أو من فئة الأساتذة و الطلاب العائدين من الإبتعاث و الذين تجمعهم صفة مشتركة وهي التحدث بـ "اللغة "الإنجليزية" ، و تظل الفئة الأكبر في الوطن و هي فئة "غير المتحدثين باللغة الإنجليزية" من طلاب المدارس و الجامعات، الفئة الأهم و التي نريدها حقاً أن تفتح أعينها مبكراً على هذا الكم الهائل من العلم و المعرفة.

يحزُنُني كثيراً و أنا أتنقّلُ بين حسابات المبتعثين و خريجي الإبتعاث ، من أطباء و غيرهم ، على برامج التواصل الإجتماعي كـ " تويتر" مثلاً أن أجد معظم تغريداتهم إن لم يكن جميعها باللغة الإنجليزية و خاصة في حواراتهم مع بعضهم البعض أو فيما يستعرضونه من أبحاث و دراسات جديدة في تخصصاتهم ، بل شخصياً تنتابني مشاعر الحيرة حين أشرع بكتابة تغريدة أو موضوع في مدونتي لدراسة أو موضوع مرتبط بمنطقة اهتماماتي فبأي اللغتين أكتب، باللغة "الإنجليزية" العصرية المواكبة للتقدم العلمي أم باللغة "العربية" التي تاهت عن مواكبة هذا التقدم منذ أن فقد أبناؤها تراثهم الحضاري و العلمي والذي قدّره الغرب في سابق الأيام و بنى معظم علومه عليه ؟!

في تجربةٍ تستحق الإشادة قامت بها الملحقية الثقافية في طوكيو بالتعاون مع مجموعة من المبتعثين هناك ألا وهي تدشين قاموس "مشرق الإلكتروني" و الذي يهدف بسرده ترجمةً لأكثرمن أربعين مصطلحاً إدارياً واقتصادياً وعلمياً وهندسياً بين اللغات العربية و الإنجليزية و اليابانية إلى تقديم الدعم الأكاديمي للطلبة المبتعثين والباحثين والمختصين الزائرين من السعودية والعالم العربي إلى اليابان حيث قاموا مشكورين بتحديد التخصص والمجال العلمي لكل مصطلح من تلك المصطلحات مع توفير كيفية نطقه و كتابته باليابانية. و في عملهم هذا بالتأكيد خطوةٌ إيجابية نحو إثراء المحتوى العربي، و لكن ماذا عن بقية الجهود و الأبحاث الأخرى للمبتعثين في أصقاع الأرض ، قد يقول قائل: لماذا لايثري كلُّ مبتعثٍ مجاله بترجمة أبحاثه أو الكتب المعروفة في تخصصه بنفسه إلى العربية فهو الأكثر خبرة من غيره في ذلك التخصص ، قد يكون ذلك صحيحاً إن ركّزنا على الترجمة المباشرة و الفورية و أغفلنا جانب اختيار المفردات اللغوية المناسبة و المقابلة للمفاهيم العلمية في اللغة العربية فضلاً عن التصحيحات النحوية و الإملائية ، فمن الذي سيقوم بذلك ؟! و كم سيستغرق المبتعث من وقت لترجمة بحث أو كتاب أو حتى كتباً تتكون من مئات الصفحات؟! ماذا عن مشاريعه الدراسية الأخرى ؟! هل سيتركها جانباً ويقضي وقته في الترجمة ؟ في الوقت الذي سيتم فيه نشر مئات الكتب و آلاف المقالات العلمية التي ينبغي عليه قراءتها ليكون على اطلاع لماوصلت إليه آخر الأبحاث في تخصصه؟

من تجربتي الشخصية كنتُ قد تواصلتُ مع أحد مراكز الترجمة المعروفة في السعودية لترجمةِ بحث الماجستير و قد تفاجأتُ من المبالغ المطلوبة ، فإن تعريب الصفحة الواحدة يتراوح بين 90 إلى 150 ريالاً حسب جودة و دقة الترجمة المطلوبة ، و على كل باحث أن يحسب قيمة التكلفة بضرب هذا المبلغ في عدد صفحات بحثه ، و هنا أيضاً تبرز مشكلة أخرى ألا وهي التكاليف المادية للترجمة.

إن فكرة إيجاد مركزٍ متخصصٍ للترجمة تابع لوزارة التعليم العالي و له قاعدة بيانات متكاملة و فروع متعددة ملحقة بالجامعات السعودية و المؤسسات البحثية الأخرى أمرٌ يحتاج أن يلقى الإهتمام و خاصة بمبادرة من الجامعات التي ابتعثت الكثيرمن كادرها الأكاديمي الذي سيكون مطالباً قبل غيره بنقل هذه المعرفة إلى طلابه حين عودته ، على أن يكون لذلك المركز طريقة تواصل مباشرة بالملحقيات الثقافية في بلد الإبتعاث ليتم تنسيق الجهود بين جميع الأطراف. بل سيتجاوز الموضوع فكرة الترجمة و ازدهار مكتباتنا بالكتب و الأبحاث فقط إلى توظيف الكثير من خريجي اللغة الإنجليزية ، اللغة العربية ، وكذلك خريجي العلوم الأخرى من المبتعثين وغيرهم بحيث يتكون فريق متكامل للترجمة يكون المبتعث صاحب البحث الأساسي جزءاً منه بإشرافه النهائي على ماتم ترجمته، فهلاّ ساهمنا في بناء حضارتنا بتحقيق ماحققه المسلمون الأوائل في عالم الترجمة و التدوين ؟

موسومة تحت
قييم هذا الموضوع
(4 أصوات)
إرادة حمد

معيدة بجامعة الملك عبدالعزيز ، مرشحة لنيل درجة الدكتوراة في تخصص القياس و طرق البحث في علوم الصحة و إعادة التأهيل - مقاييس و أبحاث الشيخوخة - بجامعة وسترن أنتاريو ، كندا 

باحثة بحُلُم جيل يرتقي بأُمّة .. علّمتني الغربة أن أصنع من مُرّ التجارب مذاقاً حلواً .. قدوتي صناعةُ حضارة بالعلم و البحث ستعود يوماً ! 

  • البلد:
    Canada

2 تعليقات

  • رابط التعليق أبو معاذ الجمعة, 19 تموز/يوليو 2013 04:21 كتبها أبو معاذ

    أتت على الجرح, وأضم صوتي الى صوتك.

    تقرير
  • رابط التعليق Amal الخميس, 17 تشرين1/أكتوير 2013 23:01 كتبها Amal

    في الصميم .. ومؤخرا صار يشغلني كثيرا موضوع المحتوى العربي العلمي على الانترنت والذي مع الأسف لا يذكر مقارنة بغيره!

    تقرير

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2020