تسجيل الدخول
إلى ابن خلدون مع التحية من  الأحد, 15 أيلول/سبتمبر 2013 09:00

ماذا لو لم يكن ابن خلدون قد أدلى فعلاً بعبارته ذائعة الصيت أن المغلوب يولع بتقليد الغالب؟

جمهورٌ عريض من المنظّرين الاجتماعيين والنفسيين والتاريخيين سيضطر لمراجعة حساباته حول تفسير التبعية السلوكية للآخر، جمهورٌ آخر أقل عدداً سيجدها فرصة مناسبة لينسب هذا الافتراض الذكي إلى نفسه.

في الواقع يكاد يصبح هذا التفسير الخلدوني ـ لأي محاولة ناجحة أو غير ناجحة للخروج عن المألوف الاجتماعي ـ هو الاختيار المقرَّب لأفئدة كثير من المتحفظين على تقليد الآخر مهما كانت طبيعة هذا التقليد، خصوصاً حين يكون الشرق والغرب طرفَيْ هذا الخط الأفقي، و على الجانب العمودي من الرسم البياني تاريخٌ جيدٌ للنهضة العلمية من الجانب الغربي.

و لأن الكثير من المواقف الفكرية في صورتها الاجتماعية العامة ـ وعظاً دينيّاً أو عرضاً صحفيّاً ـ أو في صورتها التحليلية الأكثر عمقاً ـ بحثاً علميّاً أو متابعة تاريخية ـ قد انساقت في تحليلها لتقليد الآخر داخل المسار الخلدوني نفسه؛ فقد ضيّق هذا على الرؤى الموازية الأخرى التي يمكن أن تعطي سبباً آخر أكثر بداهة للتقليد، على الأقل من الجانب النفسي.

يبدو للوهلة الأولى أن التحليل الخلدوني ينطبق على الموقف الاجتماعي للمغلوب، تساوقاً مع العبارة الشهيرة الأخرى لوينستون تشرشل "التاريخ يكتبه المنتصر" الذي ينطبق على الموقف التاريخي له، لكن الظاهر هو انطلاق كثيرٌ من منظري الواقع الاجتماعي ـ بحالة من استحضار المجد الضائع - وجعلوا تحليل استلاب العقل الإسلامي عامة والعربي خاصة بفعل العقل الغربي تحليلاً شرقياً خالصاً؛ بدأً من الفرضية وصولاً إلى النتيجة، فهم يرون المقلد الشرقي مهزوماً اجتماعياً و تاريخياً لعوزه المستمر إلى مشروع حضاري يعيد به وضع نفسه في المكان الصحيح بين المجتمعات، وهذا ما يدفعه إلى تقليد الآخر سعياً لأن يكون بحوزته انتصارٌ يسترجع به نظام ذكرياته السابقة عبر التاريخ الإسلامي مثلاً.

هذا الإغراق التحليلي الذي ساقه عدد كبير من المفكرين العرب والمسلمين ـ على وجه التحديد ـ بات مهتزّاً؛ يفسر فقط الحالة التاريخية لبداية النكوص و ولع المغلوب بالغالب، و هو أيضاً يفسر مرحلةً من مراحل تقليد المجتمع المتأخر لآخر متقدم، لكنه لا يكون صالحاً بعد ذلك ولا يفسر الأمر كله.

هذا الإلحاح النظري من المحللين الاجتماعيين و النفسيين لتسبيب التقليد عند المجتمعات المتأخرة للموروث الأجنبي وقع في مطب رئيسي لتفسير السلوك، فبدلاً من تفسيره انطلاقاً من الطبيعة السليمة للنفس أولاً لمعرفة موقع الخلل السلوكي انطلقوا من الخلل نفسه واعتبروا العقل العربي المعاصر عقل مسلوب الإرادة -ابتداءً- بفعل الانبهار المستمر بالعقلية الغربية الغالبة، انطلاقاً يقوم على التصالح الجزئي مع عدم السواء الفطري بدلاً من إدانته.

هذا التحليل الخلدوني البارع الذي يعمل على تحليل واحدة من الأنساق السلوكية لا ينطبق على الذين تجاوزوا هذا الانبهار ولا الذين لا يقعون فيه أصلاً، ببساطة هناك تفسير أكثر وضوحاً وينطبق على عدد كبير من الناس بما فيهم أولئك الذين بدأ معهم التقليد تبعاً لمراسم سلطة الغالب على المغلوب، ببداهة؛ يحدث هذا التقليد بسبب ملل الإنسان العادي من محتوياته.

يميل الإنسان بطبعه إلى التغيير، و تتخلق لديه بين فترة و أخرى حالة من الملل المتراكم تؤدي في حالة تفاقمها إلى الاحتقان المفرط من الأشياء نفسها، ترتفع معها حساسية النفس من البيئة بالكامل، فتبحث عن بيئة أخرى تفرغ فيها احتقانها لتعود الحساسية إلى وضعها الطبيعي، لحظتها تكون حالة التلقي في طور حدوثها فتصاب النفس إما بصدمة حضارية أو اغتراب نفسي أو باستلاب عقلي أو -أحيان قليلة- بانسجام تام.

إنه تفاقم نفسي لحالة ملل الإنسان من أدواته، هو الذي يبدأ فكرة الانجذاب إلى عالمٍ آخر، هو الذي يعاير درجة هذا الانجذاب، هو الذي يفخّخ العلاقة بين النفس والتغيير بالصدمة الحضارية و الاندهاش المفرط، و هو -أخيراً- الذي يضع عبارة ابن خلدون بعد ذلك في موضعها الصحيح.

موسومة تحت
قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)
سعد علي الغامدي

أكاديمي مبتعث إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة علم النفس العصبي المعرفي، مهتم بعلوم الدماغ والأعصاب والنفس بشكل خاص و له اهتمامات عامة بالفكر و الفلسفة و التاريخ و الأدب، عضو هيئة تدريس بجامعة الملك سعود، قسم علم النفس.

  • العنوان:
    8900 SW Sweek Dr
  • المدينة:
    Tualatin
  • المنطقة:
    OREGON
  • الرمز البريدي:
    97062
  • البلد:
    United States

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2020