تسجيل الدخول
وثيقة سياسة التعليم : بين التطور والجمود من  الأربعاء, 14 أيار 2014 04:57

" تحدد السياسة التعليمية إطار التعليم وفلسفته وأهدافه ومراحله وأنواعه, فلا يمكن لأي أمة أن تنهض فكرياً وحضارياً ما لم يكن لديها سياسة تعليمية واضحة وواقعية ومرنة مستمدة من فلسفة المجتمع ومنسجمة مع مبادئه وقيمه وقائمة على أسس علمية."

عند تناول سياسة التعليم نقاشاً وبحثاً, نجد أن هناك فريقين فريق يرفض الوثيقة بكل ما تتضمنه من مواد وبنود, وأنها لم تعد صالحة لعصرنا الحالي, وفريق لا يقبل المساس بها أو محاولة نقدها. وما بين الفريقين تبقى الدراسات والأبحاث العلمية حبيسة الإدراج لا يلتفت إليها أو الاستفادة من نتائجها وتوصياتها.

يؤكد ما سبق ما عرضته وسائل التواصل من أراء وتعليقات صدرت مؤخراً من أطياف المجتمع على المقابلة التلفزيونية في قناة المجد للدكتور علي الموسى والدكتور أحمد التويجري. إضافة إلى مقالة الدكتور على الموسى والمعنونة " بوثيقة سياسية التعليم: جاهلية القرن العشرين".

ولكون عملي ودراستي هي مضمون سياسية التعليم. اسمحوا لي أن أقدم رأياً فيما ظهر وسوف يظهر من تداعيات على هذه المقالة المشار لها أعلاه.

تناول الدكتورعلي الوثيقة قراءةً وليس دراسةً في ضوء الوطنية. وأشار بشكل ضمني في تحليله ما يتردد بين الفينة والأخرى بأنها ذات صبغة أممية يظهر تأثير جماعة معينة فيها, تتجه عنايتها إلى تقديس انتماء الأمة على حساب الوطنية . وما قام به الدكتور علي يعده علماء منهجية البحث بأنه عملية افتراض النتائج ثم محاولة تأكيدها من خلال البحث والتحليل للظاهرة المدروسة . إلا أنه فيما يبدو لي أن الدكتور لم يكن باحثاً عن نتائج تقدمها عملية التحليل والبحث بقدر ما كان يريد إثبات وجهة نظره من خلال انتقاء ما يدعمها من الوثيقة .

وهذا يُعد خلل يؤثر على النتائج قد يصل إلى عدم قبولها شكلاً وموضوعاً. فمن المبادئ الرئيسة عند تقييم أي عمل تحييد ذاتية الباحث وانتماءه والتيار الذي يسير في فلكه, والظروف والأشخاص, ودراسة العمل نفسه, والحكم عليه بعيداً عن من قام به.

وقبل الخوض في مضمون تلك الوثيقة, يلزم التنويه لإزالة اللبس الذي ظهر لديّ على أقل تقدير في مصدر الوثيقة الذي ألمح إليه الدكتور علي. حيث صدر الأمر بتشكيل اللجنة العليا لسياسة التعليم في عام 1383هـ، وكان يرأس اللجنة الملك فهد بن عبد العزيز يرحمه الله، وفي عضويتها، صاحب السمو الملكي وزير الدفاع والطيران، وصاحب السمو الملكي وزير الداخلية، وزير المعارف الرئيس العام للمعاهد العلمية، وزير الحج والأوقاف. وصدرت عن اللجنة وثيقة سياسة التعليم، التي اعتمدها مجلس الوزراء الموقر بالقرار رقم 779 في 16/17- 9-1389هـ .

أن المتأمل لواقع التعليم خلال الأربعين سنة الماضية يدرك بأن الوثيقة حققت أهدافها ولا تزال . حيث اعتمدت على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ومطالب التنمية وحاجات المواطن السعودي في تلك الفترة. والظروف والأحداث العربية والعالمية التي عاصرتها.

فقد غاب عن الدكتور علي في تلك الليلة التي قرأ فيها الوثيقة " المشتملة على مئتين وستة وثلاثين بنداً في تسعة أبواب " البند الذي أشار إلى شخصية المملكة العربية السعودية. وتعزيز تاريخ وجغرافية المجتمع وتراثه ودينه وقيمه ولغته العربية في المناهج التعليمية.

وكذلك ما ذُكر في أكثر من موضع من الوثيقة على ربط التربية والتعليم بخطة التنمية العامة للدولة, وإتاحة فرص النمو أمام الطالب للمساهمة في تنمية المجتمع الذي يعيش فيه ومن ثم الإفادة من هذه التنمية التي شارك فيها".

ولا أعلم لماذا الدكتور تجاهل البند (97) الذي يشير إلى تحقيق الوفاء للوطن (المملكة العربية السعودية) وهذا يُعد دعوة صريحة لتحقيق الوطنية والانتماء الوطني.

بل أن القارئ للوثيقة يستنتج أنها سبقت عصرها عند إعدادها وإقرارها . فقد أبدت اهتماماً بالتقنية وبتشجيع وتنمية روح البحث والتأمل والابتكار والتفكير العلمي, وتنمية مهارات القراءة وعادة المطالعة. بل أنها أفردت في أحد فصولها بند خاص بالمكتبات العامة والكتب والصحف والنشرات ومناهج التثقيف العام ووسائل الإعلام. وكذلك تعلم لغات أخرى للتزود بالعلوم والمعارف النافعة

كما أنها أولت اهتماماً كبيراً بالموهوبين وذوي الاحتياجات الخاصة. إضافة إلى الاعتناء بإعداد المعلم وتدريبه. ما سبق بعضاً مما جاء في وثيقة سياسية التعليم على سبيل المثال وليس الحصر.

ورغم ذلك فالوثيقة ليست كتاب منزل بحيث لا يأتيه الباطل من قبله ومن بعده. فهي عمل بشري, والعمل البشري مهما بذل فيه من جهد فهو معرض للنقص والتقصير, وله إيجابياته سلبياته.

ولذا فإن الدراسات التي تناولت تحليل وثيقة السياسة التعليمية أثبتت أهمية مراجعة الوثيقة وتطويرها في ضوء مستحدثات التربية والاتجاهات العالمية فيها, ومستجدات العصر والتطورات العالمية والتغيرات الثقافية والاقتصادية التي يشهدها المتجمع, ومتطلبات التنمية وحاجات الأفراد, فلا يوجد مجتمع يبقى كما هو دون أن تغيير, فسمة المجتمعات التغيير المستمر.

كما أن الوثيقة الحالية بحاجة إلى إعادة تحديث بنودها وحذف التكرار منها, وصياغتها صياغة إجرائية بعبارات وأهداف واضحة ودقيقة, يمكن من خلالها تطبيقها وقياسها وملاحظتها.

ومن الأهمية بمكان أن التعليم في أي دولة ينطلق من فلسفة تحدد غاياته وبرامجه وخططه واتجاهاته ومبادئه إجراءاته وعملياته . ولا يخفى على الجميع أن الوثيقة الحالية انبثقت من الدين الإسلامي فكراً ومنهجاً وتطبيقاً . وهذا ما يجب أن تحافظ عليه الوثيقة, وما يجب أن يراعيه القائمون عليها مراجعةً وتطويراً وتعديلاً.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل

كتبه / ناصر النفيعي

باحث دكتوراه في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

 

 

قييم هذا الموضوع
(3 أصوات)
د. ناصر النفيعي

دكتوراه في المناهج وطرق التدريس ومهتم بالتربية والتعليم وتعليم التفكير. مؤمن أن إصلاح المجتمع يبدأ من المدرسة.

  • العنوان:
    المملكة العربية السعودية
  • المدينة:
    الرياض
  • المنطقة:
    الرياض
  • البلد:
    Saudi Arabia

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2020