تسجيل الدخول
من عثرات الباحثين من  الأربعاء, 29 آذار/مارس 2017 09:46

     الباحث العلمي يملك سمات فطرية، وأخرى مكتسبة ليس هذا مجال الحديث عنها، وإنَّما الحديث –هنا- حول بعض العثرات التي يقع فيها الباحث، وربما أعاقت سيره الحثيث، واصطدمت بطموحاته البحثية السامقة، ولعلَّ معرفة هذه العثرات تُسْهم في معالجتها وتجنُّبها، فالوقاية خيرٌ من العلاج، وأول عتبات العلاج تشخيص المشكلة، ومعرفتها، ولعلي أذكر بعض العثرات رجاء التنبه إليها، والبحث عن علاجها، وتبصير الباحثين بعواقبها، ومن ذلك :

  •    الاستعجال في تسجيل فكرة البحث، فالباحث بعد تجاوز مرحلة الدراسة يَلْهَثُ سريعاً لتلقف فكرة بحثية صالحة للدرس، ومناسبة للمرحلة التي يدرسها. والباحثون يتفاوتون في قدرتهم على البحث عن الأفكار الطريفة النَّاجعة التي تسهم في الإضافة العلمية للتخصص، فبعضهم استقرَّت فكرته البحثية قبل دراسته، وبعضهم تلقفها في مرحلة الدراسة، وبعد الاستفادة من تجارب أساتيذ الدراسات العليا، وبعضهم يقف إلى الخط الأخير في مدَّة التسجيل؛ ليفتش عن فكرته البحثية، فيقدِّم رجلاً ويؤخر أخرى، والإشكال أن أغلب الباحثين يستعجل في كتابة نبذته، ولا يفحص عينة الدراسة فحصاً دقيقاً، ولا يركِّز كثيراً في المنهج المناسب لفكرته، ويُحاكي في كتابة خطته خططاً سابقة من دون استشعار الفرق بين الأفكار البحثية، وحينئذ يواجه الباحث كثرة التعديلات من القسم العلمي، أو يجد حرجاً كبيراً بعد بداية البحث، فيبدأ في عتاب نفسه: كيف وضعت هذا المبحث؟! ولماذا لم أضف ذاك؟! ويكتشف الباحث أنه لم يعط النبذة حقَّها من التدقيق والتمحيص... وقد مَّرت بي تجارب عديدة لبعض الطلاب يشكون من تلك العجلة، ويرغبون في إجراء تعديلات على مخططاتهم، ونصيحتي للباحثين أن يأخذوا نَفَساً كافياً لقراءة العينة، والبحث عن المنهج، واستشارة الأساتذة، وكلما بُذل جهدٌ في تخطيط الفكرة ارتاح الطالب في مشواره البحثي، وسَارَ حامداً العاقبة، واثق الخُطى.
  •  الانقطاع الطويل عن البحث: الباحثون بشرٌ تمرُّ بهم ظروف اجتماعية ربما تقطع مسيرهم في البحث، وتوقف إنجازهم في العمل، وأنا أُشبِّهُ الباحث- أحياناً- بلاعب كرة القدم، فإذا انقطع عن الملاعب عَاد ضعيفاً، واهياً يحتاج إلى مدة ليتأقلم مع فريقه، ولا ريب أن اتصال الباحث في كتابة بحثه، يزيد من فرص الإبداع، والاستنتاج والربط، والتحليل، وإذا أمضى الباحث ساعات متوالية سيجد أن إنتاجه يمتاز بالتركيز، والغزارة، والجودة، وتجربتي في البحث تؤكِّد أن الانقطاع يُصعِّبُ مهمة الرجوع إلى أجواء البحث، ويزيد من عجلة التسويف، ويسهم في تبعثر الأفكار، وإضعاف البحث.
    • ضعف متابعة الجديد في المكتبات ومعارض الكتب: يتوقف بعض الباحثين على المصادر والمراجع التي وصل إليها أثناء استقراء الفكرة، وينغمس في بحثه مُعرضاً عن متابعة الجديد في عالم الكتب والإصدارات في تخصصه، وأرى أنَّ الباحث الجاد لا بد أن يكون متابعاً للجديد في تخصصه، وأن يخصص زيارة دورية للمكتبات، وأن يتصفح بعض المواقع الخاصة بإصدارات الكتب، فربما أحال إلى رسالة غير مطبوعةٍ فطُبعت، وربما وجد شُحاً في معالجة قضية فصدر فيه كتابٌ مهم يفتِّق للباحث آفاقاً جديدة في عمله، وهكذا ...
    • الاقتصار على المصادر والمراجع المكتوبة: يعتمد كثير من الباحثين على استقاء المعلومات، ومناقشة الأفكار على المصادر المكتوبة، وأجد أنَّ استشارة المتخصصين، وأصحاب التجارب مهمة أيضاً في إنضاج البحث، والخروج بنتائج مُثرية، ويمكن توثيق اللقاءات بطريقة مكتوبة، أو مسجلة بالاتفاق مع الخبير، وإثبات هذا التوثيق في هوامش البحث مستخدما في توثيقه التاريخ، والوقت، والمكان، ونوع الوثيقة.
    • التوظيف المتعسف للاقتباسات: من الأمور المهمة في الأبحاث العلمية أن يكون الباحث حصيفاً في اقتباس النصوص، والقدرة على توظيفها بشكل مناسبٍ لتأييد فكرةٍ، أو نقضها، أو شرح مصطلحٍ، أو التعريف بمنهجٍ أو غير ذلك، لكنَّ تجربتي في مناقشة الأبحاث تقول: إن بعض الباحثين يتكلَّف- وبشكل ممجوجٍ أحياناً- إدخال النصوص، واعتسافها حتى لا تمرَّ صفحة من صفحات البحث من دون إيراد حاشية تضمُّ مرجعاً أو مرجعين ، والأصل في الباحث أن يركز على لبِّ عمله، وأن يستفيد من المصادر والمراجع بأقصى ما يمكن موظفاً لما يحتاجه من نصوص بمهارة عاليةٍ، وبدون تكلُّف لإدخال اقتباس لا تجد له مسوغاً في النص السابق، أو اللاحق، وإنما هو التَّكثُّر، ومحاولة إيهام المتلقي.
         إنَّ الحديث عن عثرات الباحثين إنِّما هو إشارةٌ إلى بعض الأخطاء المتواترة التي يحسن التنبيه إليها، وهي عثرات كثيرة بعضها يكون قبل تسجيل الفكرة، وبعضها عندما ينهمك الباحث في بحثه، وعثراتٌ تأتي بعد إنجاز البحث، ولعل الحديث عنها يُبصِّر الباحث ببعض الأخطاء التي نتوارثها من حيث لا نشعر، وننبه إليها في المناقشات من دون طرحها في ميدان عامٍ كهذا الميدان، ولعل الله ييسر لي ولغيري من الباحثين أن يفيض من تجاربه ما يبصر بعثرات أخرى ولعلي أختم مقالتي بمقولة المازني الشهيرة : "فإنَّ عثرة الوثَّاب شديدة". فالباحث وثَّاب لإثراء تخصصه، وإضافة لبنة علمية إلى جدار العلم الباسق، واستقراء العثرات قبل البدايات يعين على فهم المطلوب من العمل البحثي المتميز.
                                                                وفق الله الجميع
موسومة تحت
قييم هذا الموضوع
(3 أصوات)
أ.د عبدالكريم العبدالكريم

أكاديمي سعودي، أستاذ (بروفيسور) في قسم الأدب والنقد في كلية اللغة العربية –جامعة الإمام، له بعض المؤلفات والأبحاث في مجال تخصصه، وأسهم في كتابة بعض المقالات في بعض المجلات والصحف، عمل وكيلا لعمادة البحث العلمي في جامعة الإمام، ومستشارا متفرغا في وزارة التعليم العالي، عضو في عدد من اللجان داخل الجامعة وخارجها.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2017