تسجيل الدخول

التحديات الحضارية والحراك البحثي في العلوم الانسانية

التحديات الحضارية والحراك البحثي في العلوم الانسانية من  الأحد, 30 تشرين2/نوفمبر 2014 14:20

بقلم: د.نوف التميمي

نعيش هذه الايام حقبة تاريخية فاصلة متخمة بالتغييرات والتحولات السريعة والمتلاحقة تتسم بشدة المنافسة بين المجتمعات من أجل فرض وجودها وتحقيق مكانتها على الخارطة الدولية. لقد أفرزت معطيات هذا العصر تحديات سياسية واقتصادية وثقافية خطيرة لدول ومجتمعات العالم الثالث بما فيها الدول العربية والاسلامية. حذر فيها العلماء والباحثون من بروز القطب الواحد كقوة عظمى تحاول فرض سيطرتها على العالم من خلال التكتلات السياسية واعادة رسم علاقتها الدولية لخدمة مصالحها الذاتية من جهة ومن خلال اثارة الحروب، والتدخلات المشبوهة في الشئون الداخلية في بعض الدول من جهة أخرى تفننت بعض الدوائر السياسية والبحثية في تبريره وتسويغه بذرائع مختلفة، تحت أغطية مختلفة منها الحضاري الديني، ومنها السياسي الأمني، ومنها الانساني وحماية الشعوب المستضعفة.

تزامن مع تلك التحديات السياسية والأمنية تحديات اقتصادية لتزيد من احكام السيطرة على القوى المحركة للمجتمعات مثل تحرير التجارة العالمية، والتحكم في الاسواق المحلية من خلال الشركات عابرة القارات، وتحجيم دور الحكومات المحلية داخل الاسواق في بلدانها.

ولعل أخطر التحديات التي تحاصر مجتمعاتنا تلك التحديات الثقافية التي تتضافر فيها الجهود المختلفة الى استثمار الثورة المعلوماتية في فرض النموذج الثقافي الغربي ونشر ثقافة القطيع على المستوى الكوني من خلال برامج قولبة البشر، تنميط الجيل الشاب في المأكل والملبس والمشرب والأذواق والقيم والنظرة إلى الذات والكون

والمحصلة النهائية لها فرض ثقافتِها ومحو الثقافة الأخرى أو انهاكها من خلال مشاريع وبرامج مدروسة تحدث اختراقا لنسيج المجتمع تستهدف التغيير المجتمعي والقيمي والثقافي والحضاري لتضمن تبعية كاملة أو جزئية في هذا الميدان.

ويمكن أن توصف تحديات هذا العصر السياسية والاقتصادية والثقافية في مجملها بأنها توجه للقوة العظمى الى محو أو إبادة معنوية تنطوي على سلبيات خطيرة فهي استعمار من نوع آخر يحتل العقل ويلغي الذاكرة والوجدان أو يخدرهما، ويجعل طاقات الجسد (طاقات البلاد والعباد الإنتاجية والاستهلاكية) تعمل لمصلحته بأقل كلفة وهي في حالة من الرضا الذي يشكله تشوه مرضي اجتماعي يصيب الشعوب أو الأمم المغزوة والهويات المستلبة، بأشكال من التهافت والتخاذل والتواكل والتآكل (عرسان، 1997، ابراهيم، 2010).

لقد استشعرت بعض دول العالم الثالث (كدول شرق آسيا) الخطر وسعت في هذا السباق الحضاري لامتلاك القوى الجديدة التي تمكنها من المدافعة والقدرة على البقاء في ميدان المنافسة، ولعل في مقدمة تلك القوى البحث العلمي والذي اعتمدت عليه تلك الدول في اعادة صياغة رؤاها وخططها الاستراتيجية في كل الميادين من أجل توجيه كافة الجهود لبناء الانسان الجديد ولتحقيق التنمية الشاملة للمجتمع والتي احدثت تقدما ملموسا غدت آثاره الايجابية مثار الاعجاب تتناقله أروقة المؤتمرات والمنتديات العلمية وأوعية النشر الورقية والالكترونية.

وما يبعث على الألم والحسرة أن تزايد الاهتمامات بالبحث العلمي لتلك الدول لم يقابله نظير له في الدول العربية رغم انها تقع في بؤرة التحديات السالف ذكرها. لقد ظلت دولنا العربية تسير بخطى متثاقلة ومبعثرة تفتقر الى التمويل الكافي والتخطيط الممنهج ويغلب عليها الاجتهادات الذاتية والعشوائية غير الموجهة.

وما يزيد الأمر سوءا تلك النظرة القاصرة التي شاعت بين اوساط النخب وصناع القرار حول أهمية البحث العلمي في العلوم الانسانية حيث يغلب عليهم توجيه الاهتمام والدعم المادي والمعنوي – على قلته - للجهود البحثية في العلوم والصحة والتقنية.

إن الإدراك الواعي لمخاطر تلك التحديات يحتم علينا ضرورة الاعتماد على البحث العلمي لحل مشاكلنا ولرسم توجهاتنا المستقبلية في كافة الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية ويتطلب منا ضرورة مراجعة الحركة البحثية والتأكد من اتساقها مع احتياجاتنا الحقيقية وتوافقها مع متطلبات واقعنا الجديد واستجابتها كما وكيفا مع تلك التحديات التي تحاصر مجتمعاتنا .

ينبغي المراهنة على البحث العلمي في العلوم الانسانية خيارا استراتيجيا رابحا للتنمية باعتبار الانسان هو غايتها وهو في الوقت نفسه القوة المحققة لها، وأن التنمية التي لا تبني على اسس علمية تدعمها وتطورها؛ تظل في آخر المطاف تنمية هشة فقيرة لا تملك مقومات الصمود والمنافسة.

لقد غدت الحاجة ملحة الى بناء خطة استراتيجية وطنية شاملة للبحث العلمي وفق رؤية واحدة تعتمد على الشراكة والتشبيك بين مؤسسات المجتمع، تشارك فيها الجامعات وبرامج الدراسات العليا ومراكز البحوث من جهة، وبقية مؤسسات المجتمع من جهة أخرى.

إن مواجهة تلك التحديات السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها تتطلب رسم خارطة للبحث العلمي مبنية على الاحتياجات الحقيقية لمؤسسات المجتمع، وهي بدورها ينبغي ان تعتمد البحث العلمي في رسم خططها وتوجيه جهودها لتتمكن من تحقيق تطلعات المجتمع وآماله ولتحفظ له هويته وتمكنه من المنافسة.

بقلم: د.نوف التميمي @Dr_Al_Tamimi


1. إبراهيم، فاضل خليل (2010) التعليم العربي وتحديات العولمة: مؤشرات ومعالجات، مؤسسة الفكر العربي.
2. عرسان، علي عقلة، (1997م)،الشخصية الثقافية العربية: الهوية والغزو، مجلة الفكر السياسي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد الاول

قييم هذا الموضوع
(2 أصوات)
الكاتب الزائر

الكاتب الزائر هو كل كاتب تقبل إدارة الأكاديميون السعوديون بنشر مقال له دون التزام من موقع الأكاديميون السعوديون بالنشر الدائم له أو إعطاءه ميزات كتاب الموقع، ودون التزام من الكاتب بالكتابة الدورية للموقع.

1 تعليق

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2017