تسجيل الدخول
أن تكون مترجمًا جيدًا من  الإثنين, 02 كانون2/يناير 2017 13:20

   إضافة إلى كوننا من أفراد وطننا، فنحن أيضًا أفراد من المجتمع العالمي، وهذا يعطينا هويةً عالمية. لذا من الطبعي أن نفكر في شؤون العالم ونتعاون في حل مشاكله. ولنقوم بذلك فإن أول أداة وأكثرها أهمية  هي "اللغة"، تلك العامل المحسوم اجتماعياً. لطالما كانت اعتقاداتنا وهوياتنا معكوسة على طريقة حديثنا، رغم الروابط الخفية التي لا تكشفها سوى (دراسة اللغة النقدية) في الخطاب.


     نعلم أن ازدهار ثقافة الأمة تكمن في تفاعلها مع الثقافات الأخرى. وأن التنوع الثقافي يجعلنا نبصر حقوق الإنسان، لكن هذا التنوع لا يُعرف إلا من خلال الحوار، الذي يردنا إلى أداته الرئيسة وهي: "اللغة".
     ويقاس دور اللغة في تطوير العالم من خلال "الترجمة"، في حين كان اهتمام دراسة اللغة النقدية منصبًا على عملية إنتاج وتفسير النصوص وبالطريقة التي تكون فيها عملية الإدراك مركبة اجتماعياً فيمكن اعتبارها مساراً بديلاً لدراسات الترجمة.
    أضحى العالم صغيرًا عندما تطور نظم الاتصال والمعلومات تطورًا سريعًا وأصبح أكثر توسعًا، ومن خلال هذه العملية السريعة من التبادل المعلوماتي وفي سبيل تطوير هذا التواصل الثقافي تكمن الترجمة، وهذا يفسر الحاجة إلى المترجمين التحريرين والفوريين المؤهلين. و كما ذكرنا آنفاً، إن العالم أجمع يمر بتغيرات معقدة في نواح مختلفة مثل التقنية والتعليم. وحتماً لدى هذه التغيرات توجه مهم في نظام التعليم العالي، ومن ضمنها برامج تدريب المترجمين.
     يذكر شهيلي Shahyali (1997) أن المعرفة النظرية والممارسات العملية وحدها غير كافية لإعداد الطلاب لمواجهة التطورات في المجال. هناك حاجة للتكيف، لذا من الضروري التركيز على تطوير الطلاب لأنفسهم وتطوير المهارات الذهنية المماثلة ومهارات التواصل ومهارات التخطيط.
     إن تدريب المترجمين صنعة ضرورية يجب إعطائها أسبقية متقدمة. وإن الخدمة التي يقدمها المترجمون لتعزيز الثقافات واحتضان اللغات كان بارزاً على مر التاريخ. كما أن المترجمين هم المحركون الذين ينقلون الرسالة من لغة إلى أخرى في حين أنهم يحفظون الثقافة الدفينة والأفكار النقدية وموروثاتها(Azabdaftary، 1996).
      إن مهمة المترجم هي خلق بيئة يتفاعل فيها كل من مؤلف اللغة الأصل وقارئ لغة الهدف (Lotfipour ،1997). فالمترجم يستخدم المعنى الحاضر في النص الأصلي لصياغة النص الهدف. (Farahzad, 1998).
    وبوضع كل هذه الحقائق بعين الاعتبار، يكمن السؤال في: ما المهارات التي تعزز القدرة على الترجمة؟ وكيف يمكن للشخص أن يكون مترجماً جيداً؟
     الخطوة الأولى: هي القراءة النهمة لأنواع مختلفة من تراجم النصوص، حيث أن عملية الترجمة تلزم معرفة نشطة، في حين تحليل التراجم المختلفة وتقييمها يلزم معرفة مسبقة. لذا يجب تطوير مهارات الاستقبال قبل المهارات الإنتاجية، أي من خلال تعزيز معارف الطلاب السابقة ستتحسن معارفهم الحالية.
إن المترجم الجيد هو شخص لديه معرفة شاملة بكلا اللغتين (الهدف والمصدر). فيجب على الطلاب قراءة الأنواع الأدبية المختلفة بكلا اللغتين المصدر والهدف وذلك يشمل الأدب الحديث والشعر المعاصر والصحف والمجلات والإعلانات الدعائية والتصريحات والتعليمات ... إلخ. وكذلك القراءة المتخصصة: كقراءة المقالات والمجلات الحديثة النشر التي تنشر النظريات وجوانب الممارسات الترجمية. إن هذه المقالات لن تطور مهارات القراءة لدى الطلاب بشكل عام فحسب بل وستعطيهم رؤى سيطبقونها لا شعورياً عند الترجمة.
إن مهارات "الكتابة" أي القدرة على الكتابة الصحيحة بسلاسة في كلتا اللغتين المصدر والهدف مهمة أيضاً. فالكتابة حقيقة هي وظيفة المترجم الأساسية. يجب على الطلاب أن يعرفوا الطرق المختلفة للكتابة وتقنياتها وأساسيات التدقيق وعلامات الترقيم ليطوروا من جودة الترجمة وسلاسة قراءتها(Razmjou،2002).
      وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون عند متدربي الترجمة آذان تصغي جيداً لكل من اللغة الهدف والمصدر. فمثلاً، يجب عليهم أن يكونوا متيقظين لاقتناص التعابير المختلفة والأمثال والمصطلحات المتخصصة واستخداماتها، وأن يحفظوها في أذهانهم لاستخدامها لاحقاً. هذا حقيقة ما ندعوه تطوير الحدس، فهو لا ينشأ من العدم، بل يحتاج إلى ممارسة وقاعدة صلبة. و إلى كل من دعم النظرية وخبرة الممارسة. فالحدس في اللغة أمر لا بد منه للمترجم الكفوء.
إن إحدى النقاط المهمة التي يجب وضعها في الحسبان في عملية الترجمة هي فهم قيمة النص الهدف في إطار حوار اللغة الهدف. لتطوير الفهم، يحتم على المترجم أن يكون واعياً للاختلافات الثقافية بين استراتيجيات المضامين الحوارية في اللغتين المصدر والهدف ليطور فهمه. فيجب اكتشاف بنية النص المصدر الخفية من خلال استخدام المترجم للاستراتيجيات المتنوعة للمضامين الثقافية.
يجب على المترجم الجيد أن يكون مطلعاً على عادات وثقافات المتحدثين باللغتين ومنظومتهم الاجتماعية. بالإضافة إلى الاطلاع على القيود اللغوية وأساليب الكلام والمتطابقات الاجتماعية لكلتا اللغتين. إن هذا الوعي الاجتماعي من شأنه تطوير جودة تراجم الطلاب لأقصى درجة، ونقلاً عن حاتم وماسون Hatim&Mason (1990) فإن المضمون الاجتماعي في ترجمة نص ما يكون متغيراً أهم أحياناً من نوعه الأدبي. فعملية الترجمة تتخذ مكانتها في المضمون الاجتماعي -الثقافي. وبناء على هذا، فإنه من المهم الحكم على نشاط الترجمة من خلال المضمون الاجتماعي فحسب.
     تبدأ الترجمة الفعلية بعد تطوير الكفاءة الجيدة في كل من اللغة الهدف والمصدر. ولكن هناك منصة وسيطة بين تطوير الكفاءة والترجمة الفعلية: ألا وهي الاطلاع على مصادر المعلومات المتنوعة ومعرفة كيف استخدامها. وهذه المصادر تتضمن المعاجم (الأحادية اللغة) والقواميس (الثنائية اللغة) والموسوعات والشبكة العنكبوتية.
     إن الاستعانة بالمعاجم والقواميس مهارة تقنية بحد ذاتها، ويفتقر بعض الطلبة لهذه المهارة. فالكلمات لها معان مختلفة حسب السياق، وفي هذا الصدد تجد المعاجم خير معين. إن الطلاب يحتاجون للتدريب المكثف ليجدوا المعنى المقصود للكلمات في سياق معين باستخدام هذه المعاجم.
     بالإضافة إلى هذا، يحتاج المتدربون إلى فهم تركيب الكلمات في الخطاب غير المباشر، ومختلف المجازيات في اللغة المصدر مثل: الغلو في المقارنة أو السخرية أو التعبير عن الشيء بضده أو التضمين. إن الوعي بهذه المجازيات ستدعّم من إبداعهم وتنشط من معرفتهم الراكدة.
     وفي حين أن هناك تركيز قوي على تطوير كفاءة اللغتين المصدر والهدف، فإنه لا ينبغي إهمال الطرق التي من خلالها يمكن للطلاب تطويرها. يمكن أن يؤدي العمل الجماعي والتعاون مع الأقران إلى نتائج أفضل في عملية الترجمة. سيتمكن الطلاب الذين يمارسون الترجمة مع أقرانهم من حل المشاكل بسهولة أكبر وستتطور لديهم الثقة وتقنيات اتخاذ القرار سريعاً. (Razmjou، 2002). ورغم احتمالية الوقوع في الخطأ خلال العمل الجماعي، إلا أن عقول الطلاب ستكون مفتوحة ومتيقظة بسبب اصطياد والأخطاء والكشف عنها وتصحيحها.
     ومن النقاط المهمة الأخرى، هي أن المترجمين الناجحين عادة ما يختارون نوعاً واحد ومحدداً من النصوص لترجمتها ويستمرون في العمل في هذا المجال فحسب؛ فعلى سبيل المثال: قد يترجم المترجم الأعمال الأدبية أو الكتب العملية أو النصوص الصحفية. وقد يختار المترجم ترجمة الشعر فقط أو القصص القصيرة أو الروايات فقط حينما يترجم النصوص الأدبية. وبتحديد أكثر، قد يختار المترجم أن يترجم أعمال مؤلف معين. ويكمن السبب وراء ذلك أنهم بقدر ما ترجموا لمؤلف معين كلما أصبح هو وطريقة تفكيره وحتى أسلوبه مألوفاً لديهم أكثر. وكلما زاد الإتلاف زادت جودة الترجمة.
     تحتاج الترجمة إلى أن تمارس في بيئة أكاديمية يعمل فيها المتدربون على نطاقين: الأول عملي تحت إشراف معلميهم، والثاني نظري يعزز معرفتهم. ففي بيئة مثل هذه تتوفر للمتدربين أحدث المقالات المنشورة والمجلات العلمية وكتب الترجمة، فيصبحون مطلعين على أجود المترجمين وأعمالهم بقراءتها ثم مقارنتها مع نصوصها الأصلية. وبهذه الطريقة، يمكن للمتدربين تطوير قوة من الملاحظة والبصيرة واتخاذ القرارات، والتي بدورها ستعزز دافعيتهم وتحسن مهارات ترجمتهم.
     ولذلك، أُعتُرف بدراسات الترجمة في الجامعات كفرع رائد ومستقل ومنفصل عن دراسات اللغة الأجنبية. وهذا يعكس حقيقة أن ليس كل من يتقن لغة أجنبية يمكن أن يكون مترجماً كما هو شائع. إن الترجمة مفتاح للتفاهم الدولي. فنحن بحاجة إلى مترجمين أكفاء لديهم المعرفة النظرية والمهارات العملية لأداء عملهم بشكل جيد في هذا العالم الهائل من الاتصالات والمعلومات المفرطة. وأهمية المعرفة النظرية تكمن في أنها تساعد المترجمين على اكتساب فهم كيف أن القرارات اللغوية التي يتخذها تعكس العلاقات الأخرى بين المرسلين والمتلقين، تماماً كعلاقة قوة، وكيف أن النصوص أحياناً تستخدم للحفاظ أو لخلق فوارق اجتماعي (Fairclough، 1989).

     وختاماً، من المهم أن نعرف أن الأمر يفوق الحاجة إلى القاموس لكي تكون الترجمة جيدة، وأن صناعة المترجمين لا تتم بين عشية وضحاها. ولكي تكون مترجمًا جيداً يجب عليك أن تستثمر استثماراً كبيراً في اللغتين المصدر والهدف. والتأرجح بأمانة وإخلاص بين عالمين من الخطاب لهو من أصعب المهام. وإن تطوير المترجمون الناجحون لا يتم إلا بتعليم الترجمة بصورة متطورة ومنهجية. وإن الجزء الأصعب من الرحلة لا يبدأ إلا عندما يغادر المتدربون جامعتهم.

قدمت هذه الورقة في المؤتمر العالمي الثاني لـ " تحليل الخطاب النقدي: رسالة الوسيط" في اليمن، جامعة الحديدة، أكتوبر 2003

الكاتبة: ليلى رازمجو

ترجمته لصالح الأكاديميون السعوديون: مها بنت عبد الله الفالح.

راجعته لصالح الأكاديميون السعوديون: مهرة بنت عبد الله القحطاني

دققته لصالح الأكاديميون السعوديون: نوف بنت منصور الزيدان.

نبذة عن الكاتب:

بكالوريس ترجمة لغة إنجليزية، ماجستير لغويات تطبيقية (تعليم اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها)
إيران
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
المصدر: Translation Director

موسومة تحت
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)
الأكاديميون السعوديون

الأكاديميون السعوديون جمعية أكاديمية لها اهتمامات أكاديمية علمية وبحثية وتنموية بشرية، وتسعى لتقديم نموذج مشرق من خلال مشروع هادف يتميز بتنوع خبرات وقدرات أعضائه، وحثهم على الإبداع والتواصل في مجالاتهم التخصصية.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2017