تسجيل الدخول
اللغة الإنجليزية! غاية أم وسيلة من  الإثنين, 02 أيلول/سبتمبر 2013 04:51

مدخل:

يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: " اشتر نفسك؛ فالسوق قائمة، والثمن موجود"

منذ أن يعرف أحدنا أنه مقبل على دراسة في بلد يتكلم أفراده اللغة الإنجليزية – أو أي لغة أخرى – يعرف أن أحد متطلبات وصوله لتحقيق الهدف الرئيسي من ابتعاثه هو ردم الهوة التي تفصله عن هدفه ، والهوة هنا هي اللغة. يبدأ المبتعث حينها برسم الآمال والتطلعات ويسبح في بحر خياله وهو يقول لنفسه أن أفقاً جديداً قد بزغ وأن الحصول على لغة أخرى ماهو إلا قضية وقت.

يبدأ بحزم حقائبه التي تحوي قواميسا ناطقة وكتباً تزن نصف مايحمل، وحين تحين ساعة مغادرته لأهله وأحبابه لربما ودعهم بكلمات مثل (see you guys) ساقه الحماس لتعلمها ليبدأ ببداية مشرقة في مشوار الألف ميل. تغادر رحلته أرض الوطن ويبدأ بتكييف نفسه مع البلد المستضيف بتغيير طريقة لبسه والأهم وضع سماعة موصلة بجهاز يحوي (مالذ وطاب) من ملفات صوتية أو مرئية باللغة الأجنبية المراد تعلمها، ولم لا فالأمور تسير حسب الخطة المرسومة حتى هذه اللحظة.

يصل إلى مطار البلد المستضيف وحينما تطفأ إشارة ربط الأحزمة لربما رأيت ابتسامة المنتصر بادية على وجنتي صاحبنا، نعم فقد قرب لقاء المحبوبة وصاحبنا يقول: "سأجدها على باب الطائرة تنتظرني وسأسطحبها إلى الأبد، سأبذل الغالي والنفيس من أجلها فلم تزدني رفيقتي الأولى شيئاً". يخطو خطواته الأولى خارج الطائرة ويرى... ماذا يرى إلا سراباً فلا أثر لمحبوبته. يعزي نفسه قائلاً: سأجدها لاحقاً فلربما لازلت حديث عهد ببلدي، يتيسر له الخروج من المطار وربما كان باستقباله أحدُ ممن سخر لنفسه لخدمة أخوانه ويذهب إلى سكنه مطلقاً العنان لخيالاته وأحلامه في محبوبته. تمر الأيام ويسأل زملائه من أصحاب الخبرة في البلد ممن سبق وأن روّض تلك المحبوبة فتصله ردود تضفي غشاوة على نظره، نعم إن من شغف قلبك شديد التمنع ياهذا.

مع آلام الغربة وصعوبة التواصل ينتابه شعور بأن الآمال بدأت بالتلاشي من الأسابيع الأولى وأن المحبوبة قد تكون عائقاً لاسمح الله. تبدأ دراسته المقررة وربما تبدأ رحلة المعاناة للبعض مع اللغة الإنجليزية (وهي ما أشير إليه بالمحبوبة مسبقاً). تجده يشتكي من المتطلبات ويرمي اللوم على هذا وذاك وفي المقابل لا تجد عملاً يكفي لسد فرجة هذا اللوم. من يحتج بسوء المعاهد ربما تجده لا يؤدي واجباً ولا يحضر إلا متأخراً وكذلك فهو لا يستغل جميع المصادر المتاحة في معهده ، ومن يلوم تواجده مع أبناء جلدته تجده لا يسعى لإيجاد حل يرضيه. تمر الأيام وكلما اقتربت المدة المسموحة من الإنتهاء زاد الضغط النفسي عليه فلم يعد تفكيره في محبوبته – في حال كونها محبوبة حتى الآن – فكل مايهمه هو كيفية تمديد للبعثة والأوراق المطلوبة لذلك وعما إذا كانت الموافقة نصيب طلبه أم لا. وبهذا يكون قد (عايد القريتين) فلا هو الذي استمتع ببقائه بالبلد ولا الذي حصل على مايريد.

لست هنا لمصادرة الأحلام وهي حق مشروع ولكن ما أردت قوله هنا لنفسي أولاً ولأخواني وأخواتي المبتعثين جميعاً أنه يجب علينا أن نسعى بتوازن لتحقيق الهدف الذي سعينا لأجله وأن تكون جميع خطواتنا محسوبة ولا تتعارض مع بعضها البعض. لذلك نصيحتي لأخواني الجدد وكذلك المتواجدين منذ فترة أن يستغلوا فترة تواجدهم في بلد الابتعاث وتعلم لغة جديدة بشرط ألاّ تعاملها كمادة تدرس وإلا فاعلم أن مصيرها كمصير مناهج المتوسطة والثانوية التي لم تسق الكثير منا شربة ماء هنا بسبب نظرتنا لها آنذاك. تذكر أن فترة اللغة من أهم المراحل التي ستفتح لك أفاقاً جديدة وستجعل حياتك الأكاديمية في الجامعة أكثر سهولة ومتعة. فقط تذكر أنك ستتعلم ليس لغة لمجال معين بل ستضئ لك مجالات أرحب ، ثقافات بلدان، طريقة تفكير، حوار مع شعوب ، وأنت تدرك مقدار ماستجنيه مما سبق. تذكر أن فرصة الإبتعاث فرصة قد لاتتكرر طوال عمرك فمارس فيها اللغة قدر الإستطاعة ولو مع زملائك حتى تبني ثقتك بنفسك ولاتلتفت لمن ينعق باستهزاء.

نوّع مصادر قراءتك وابق على اطلاع بما يجري حولك من أخبار البلد من خلال مشاهدة التفلزيون والإستماع للراديو وخصوصاً موجات الـ AM حيث أن هناك عدة برامج رائعة موجهة لغير المبصرين فيتم قراءة الصحف اليومية لهم من خلال الراديو، وبما أننا أصحاب حاجة فما المانع أن نفترض عمىً مؤقتاً ونتابع مثل هذه البرامج. لا تعزل نفسك عن أصحابك بشكل نهائي ولكن احذر من الإفراط الزائد عن الحد. ابتعد عن الحياء الزائد وحاول مجاراة تفكير أصحاب اللغة الأصليين ولاتعتمد كثيراً على ترجمة أفكار من لغتك الأم.
ما سبق ذكره ليس لمجرد سد فراغ في هذه الصفحة ولكنه من أخ لك عزيزي القارئ وصاحب تجربة يتمنى لك مستقبل مشرق مع محبوبتك لا أن يتقلص ماقلته عند وداع أهلك إلى كلمتين فقط (Hi guys).

خاتمة:
يقول المؤرخ اليوناني أريستوفان: "الأفكار العليا لابد لها من لغة عليا". كما أنوه على أن لغة الخطاب بالمقالة لا تخص الإخوة فقط بل يمكن إضافة ياء التأنيث (على الأفعال المضارعة وأفعال الأمر) أو الكسرة في ماعدا ذلك مع تمنياتي للجميع بالتوفيق.

قييم هذا الموضوع
(9 أصوات)
صالح هليل الحربي

مبتعث للحصول على درجة الدكتوراه. محاضر بقسم علوم الحاسب الآلي بجامعة شقراء، كلية العلوم والآداب بساجر

الموقع : alslimi.com

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2017