تسجيل الدخول
احتباس المعرفة في المجتمع النظري من  الإثنين, 24 آذار/مارس 2014 18:48

إن المعرفة لغويّاً أمرٌ مفهوم تقريباً مقارنةً بدلالتها علميّاً و ما دار من جدلٍ حول ماهيتها ووظيفتها ، فقد "نال موضوع المعرفة اهتمام المفكرين في كل العلوم و خصوصاً الفلسفة، حيث تناول الفلاسفة البحث في نظرية المعرفة من خلال دراسة مبادئ المعرفة الإنسانية وطبيعتها ومصادرها وحدوها المختلفة (...)، وتشترط الفلسلة ثلاثة عناصر لحدوث المعرفة، وهي:

1 / الذات المُدرِكة و العاقلة .

2 /  تَوفّر موضوع في البيئة تدور حوله المعرفة .

3 / توفر العلاقة بين الذات و الموضوع .

 و لكن الفلاسفة اختلفوا في مدى قدرة هذه العناصر الثلاثة على تشكيل أو حدوث المعرفة "[1]، و بطبيعة الحال فإن سيرورة المعرفة العلمية تتعصّى على التوقف عند إشكاليات ما هو جامد فتتجاوزه إلى ما هو منتِج ، و هذا ما حدث عندما اتضح فيما بعد أن البحث في كيفية عمل المعرفة أهم من البحث في ماهيّتها ، خصوصاً مع الإيمان غير المقنع للشكّيّين و العقلانيّين على حدٍّ سواء بإمكان أو استحالة حدوث المعرفة ، و هذا ما سمح بوجود علم يسعى إلى دراسة العمليات المعرفية داخل الإنسان ككل ؛ من خلال الترابط المعلوماتي بين علم النفس و بين علوم أخرى مثل علم المعرفة و علم وظائف الأعضاء وعلم الأحياء و علم الأعصاب و علم الحاسوب وعلم اللغة، دراسة تهدف إلى فهم عمل المعرفة عند الإنسان و ليس إلى فهم المعرفة نفسها ، فهم كيفيّة عملها و وظيفتها و ليس فهم ماهيّتها ، لأنه "إذا لم يكن من الممكن اليوم انطلاقاً من العلاقات التي تقيمها العلوم المعرفية الحديثة فيما بينها معرفة طبيعة الفكر ؛ فإنه من الممكن على الأقل معرفة وظيفته كما هي محددة "[2] ، لذلك نقلَتْ العلوم المعرفية الحديثة - بتطوراتها و مستجدّاتها - موضع النقاش من الماهية إلى الكيفية ؛ تجنّباً للجهود المهدَرة في قضيّةٍ لا تهم بذاتها ؛ فضلاً عن عدم التوصل إلى معرفتها بوضوح ، وذلك ما أعطى المعرفيّين فرصة متقدمة لقراءة المعرفة و اكتشاف خباياها من خلال كيفيّة عملها داخل العقل البشري فبرز في علم النفس تخصص عُرِف بـ Cognitive Psychology أو كما في إحدى ترجماته علم النفس المعرفي "، و هو أحد أهم التخصصات العلمية لدراسة العقل البشري.

 لا غرابة أن تبدأ النقلة التاريخية لعلم النفس من عتمة الفلسفة إلى نور العلم بواحدة من العمليات المعرفية لتشقّ طريقاً مزدوجاً لولادة "علم النفس العام" و ولادة " علم النفس المعرفي " معه واضعاً نفسه في مصاف العلوم الأخرى؛ يجري على إنتاجه العلمي ما يجري عليها، لكن ظروف النشأة كانت لصالح علم النفس الأم بحكم شموليّته فلم يتم الاهتمام بعلم النفس المعرفي إلا مؤخَّراً ، حيث "بدأ يظهر نجمه و يتصاعد بريقه في نهاية الستينات من القرن الماضي و ذلك بعد أن بدأ نجم المدرسة السلوكية بالأفول ، و لا سيما بعد التقدم التكنولوجي في مجال هندسة الاتصالات و الحاسوب الإلكتروني ، حيث ظهرت الأصوات التي تدعو إلى ضرورة دراسة العمليات العقلية و أثرها في الأنشطة و الأنماط السلوكية الإنسانية " [3] .

علم النفس المعرفي له عددٌ من النظريات المختلفة فيما بينها لتناول أثر المعرفة على السلوك ، فهو يدرس منطقة العمليات العقلية العليا عند الإنسان مجنِّداً في سبيل ذلك كافة وسائل المعرفة التي تؤدي إلى فهم سلوكه، و برغم الاختلاف بين تلك الوسائل "إلا أنها جميعاً تشترك في تأكيدها على أهمية العمليات المعرفية و دورها في تحديد أنماط الفعل السلوكي الذي يصدر عن الإنسان ، فهي جميعاً ترى أن السلوك هو دالة لمثل هذه العمليات و ليس مجرد ارتباط آلي ميكانيكي يتشكل بين مثير و استجابةٍ ما "[4]، و هذه هي العلامة الفارقة بينه و بين المعرفة ، حيث تدرس المعرفة ذلك أيضاً و لكن لهدف المعرفة ذاتها و ليس لهدف دراسة تأثيرها على سلوك الإنسان .

منذ أصبحت المعرفة موضوعاً علميّاً و هي محصورة بكونها تدرَس بهدف وضع القوانين و النظريات الشارحة لطبيعتها الثابتة ، بينما شقّ علم النفس المعرفي لنفسه طريقاً بطابعه الكيفيّ في إتاحة الفرصة لاستخدام نظرياته و نتائجه للتأثير في سلوك الإنسان و عملياته العقلية نفسها تفسيراً وتنبؤاً و ضبطاً، و هو ما يجعل هذا التخصص مدهشاً في حد ذاته و خطيراً في الوقت عينه، حيث أنه يسير في حركة دائريّة التأثير واقعاً في حركتها هو أيضاً، مما يعطي العقل فرصة مذهلة ليُبْرِز كل قوّته في صناعة السلوك الإنساني، و أعتقد أن هذا أمرٌ لم يطرَق بوضوح في هذا الحقل بعد، حيث من المعروف عند علماء النفس المعرفي إخضاعهم للعمليات المعرفية مثل : الانتباه و التذكر و التعلم و التفكير و التخيل و الإدراك و غيرها إلى منهجية علمية تدرس آليات حدوثها و أبعاد ذلك على السلوك دون إعطاء فرصة لاعتبار هذا الأمر متغيِّراً؛ بل ثابتاً يتم إجراء التجربة لتأكيده و الوصول لقوانين واضحةٍ فيه تتسم بالصدق والثبات ، ناسين أو متناسين بأن العقل البشري من حيث المعرفة هو بناء سابق لها يتعامل معها وفْق الطريقة التي يشكِّلها هو و يؤثّر بها على سلوك الفرد، فمهما تعمّقنا عصبياً في دراسة المخ البشري و تعقيداته و آلياته و درسنا الجانب البيولوجي عند الإنسان و النشاط الفسيولوجي له فإننا لا نستطيع تجاهل أن الإنسان قادر على صناعة المعرفة من خلال المعرفة نفسها، و هذا يعني بأن الأمر فيه مراوغةٌ معقَّدة تحيل الأمر من كونه قاعدة ثابتة توضِّح آلية المعرفة الإنسانية إلى اعتبار هذه الآلية صورة من صور المعرفة الإنسانية التي يشكّلها هو بطريقة يمكن اعتبارها فَنّاً، لأن دراسة هذه العمليات تعتمد بالدرجة الأولى على بعض المفاهيم الأساسية حول التكوين العصبي والنشاط البيولوجي عند الإنسان ، إذْ أن هذه هي حدود الجانب العلمي في الموضوع ، و كل ما وراء ذلك هو فن استخدام العمليات العقلية تأثيراً فيها و بها .

المعرفة بطابعها الماهيّ هي موضوع نخبوي، لا يدخل في المجتمع الإنساني و يؤثّر فيه؛ بل يقرؤه فقط ساعياً إلى استكناه المعرفة لذاتها، هادفاً إلى إجاباتٍ فلسفيّةٍ تجلّي حقائقها بطريقة لا تجعل منها أداة للتأثير بل أداة نظرية فقط، و لأنها لم تصل إلى أبعد من هذا فقد بقيَتْ حبيسة المجتمع النظري، دون أن تمكِّن المتخصصين من الوصول بالسلوك الإنساني إلى وضعٍ مختلف كما يحقّقه علم النفس المعرفي بطابعه الكيفي ، حيث تتيح نتائجه الرابطة بين العقل و بين السلوك فرصة هائلة لتشكيل السلوك الإنساني و التأثير في الواقع الاجتماعي ، و برغم ذلك فإن المتخصصين في علم النفس المعرفي ما زالوا يمارسون هذا الدور النخبوي للمعرفة دون التأثير في الواقع الفردي و الاجتماعي ، و هذا ما جعل كثيراً مما توصل إليه هذا العلم حبيساً داخل المجتمع النظري أيضاً ، تاركاً المجال واسعاً لجوانب أخرى مثل الجانب التحليلي في ممارسة هذا الدور داخل المجتمع .

 


[1] . العتوم، عدنان يوسف، علم النفس المعرفي، النظرية و التطبيق، 2004، الطبعة الأولى، صـ 22

[2] .، ترجمة زغبوش، بنعيسى، بو عناني، مصطفى، سفير، عبد النبي، مقالة علمية بعنوان " مدخل إلى المعرفية "، Angele، Kremer-Mariettiمجلة فكر و نقد، أكتوبر 2005، عدد 72، السنة الثامنة، صـ 113 ،

[3] الزغول، رافع النصير، الزغول، عماد عبد الرحيم، علم النفس المعرفي، صـ11 .

[4]  المرجع السابق، صـ 11 .

 
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)
سعد علي الغامدي

أكاديمي مبتعث إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة علم النفس العصبي المعرفي، مهتم بعلوم الدماغ والأعصاب والنفس بشكل خاص و له اهتمامات عامة بالفكر و الفلسفة و التاريخ و الأدب، عضو هيئة تدريس بجامعة الملك سعود، قسم علم النفس.

  • العنوان:
    8900 SW Sweek Dr
  • المدينة:
    Tualatin
  • المنطقة:
    OREGON
  • الرمز البريدي:
    97062
  • البلد:
    United States

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2017